كيف طوت سوريا صفحة تهميش الأكراد وأنجزت دمج قسد ضمن مؤسسات الدولة؟


هذا الخبر بعنوان "بعد عقود من تهميش النظام البائد.. كيف استطاعت سوريا حل الملف الكردي؟" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: من عقود حرم فيها سوريون أكراد من حقوق أساسية، إلى مرحلة تدرج فيها هويتهم الثقافية واللغوية في صلب الإطار القانوني للدولة، قطعت سوريا مسافة سياسية غيرت طبيعة المعادلة التي نشأت في ظلها “قسد”. ومع استعادة الدولة مسارها المؤسساتي، وتكريس مبدأ حصر السلاح بمؤسساتها، انتقل ملف الشمال الشرقي من سؤال الحماية خارج الدولة إلى الاندماج داخلها.
“تغيرت الظروف اليوم”، بهذه العبارة اختصر مظلوم عبدي التحول الذي شهدته البلاد، معلناً انتهاء مهمة “قسد” وحلها كقوة عسكرية مستقلة، بعد استكمال دمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري، ومؤكداً أن البلاد دخلت مرحلة جديدة عنوانها السلام وبناء سوريا الجديدة. ويأتي هذا التحول بعد مسار سياسي وقانوني بدأ عقب سقوط النظام البائد، واتجه إلى معالجة المظالم التي طالت مختلف مكونات الشعب السوري، بالتوازي مع استعادة مؤسسات الدولة دورها وبسط سيادتها على كامل التراب السوري.
إرث من التهميش: على مدى عقود، تعرض سوريون أكراد لإجراءات وقيود مست حقوقهم المدنية والثقافية، وكان من أبرزها آثار إحصاء الحسكة لعام 1962، الذي أدى إلى حرمان أعداد منهم من الجنسية السورية، وما ترتب على ذلك من قيود في مجالات التعليم والعمل والتملك وسائر الحقوق المدنية. كما شملت السياسات السابقة جوانب من الهوية الثقافية واللغوية، وفرضت قيوداً على استخدام اللغة الكردية والتعليم بها، إضافة إلى سياسات تتعلق بالأسماء والمناسبات الثقافية، فضلاً عن إجراءات مرتبطة بالأراضي في مناطق من الجزيرة السورية.
وقال رئيس حزب تيار المستقبل الكردي في سوريا فادي مرعي لـ”سانا”: إن قضية الكرد خلال عهد النظام البائد لم تقتصر على الجنسية، بل شملت جوانب سياسية وثقافية وتنموية، مشيراً إلى أن تلك السياسات أسهمت في تعميق الانقسامات داخل المجتمع السوري. وأضاف أن الحركة السياسية الكردية تعرضت بدورها للقيود، لافتاً إلى أن بعض المشاريع التي ارتبطت بتلك المرحلة لا تزال تحتاج إلى معالجة من خلال المؤسسات والقوانين.
من معالجة المظالم إلى تثبيت الحقوق: بعد سقوط النظام البائد انتقل ملف الحقوق الكردية إلى مسار مختلف، يقوم على الاعتراف بالحقوق ضمن الدولة السورية ومؤسساتها. وجاء المرسوم رقم 13 لعام 2026 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع ليشكل محطة أساسية في هذا المسار، إذ نص على أن السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. وألغى المرسوم القوانين والتدابير الاستثنائية المترتبة على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية السورية للسوريين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم في الحقوق والواجبات. كما ضمن حماية التنوع الثقافي واللغوي، وأتاح تدريس اللغة الكردية في المدارس، واعتمد عيد النوروز عطلة رسمية.
ورحب مرعي بهذه الإجراءات، معتبراً أنها لاقت ارتياحاً لدى الشارع الكردي، وأكد أهمية تثبيت الحقوق ضمن الدستور السوري المستقبلي، بما يعزز المساواة بين جميع السوريين.
الحقوق ضمن الدولة: ولم تقتصر المقاربة الجديدة على معالجة الحقوق المدنية والثقافية، بل ترافقت مع توجه واضح نحو إنهاء تعدد الهياكل العسكرية والإدارية، ودمجها ضمن مؤسسات الدولة. وكان اتفاق العاشر من آذار 2025 قد وضع أساساً لهذا المسار، ونص على ضمان حقوق جميع السوريين في المشاركة السياسية ومؤسسات الدولة على أساس الكفاءة، والاعتراف بالمجتمع الكردي جزءاً أصيلاً من الدولة السورية، إلى جانب دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة، بما فيها المعابر والمطار وحقول النفط والغاز.
وأكد الرئيس أحمد الشرع في مقابلة له مطلع العام الجاري، أن الحقوق الكردية ستكون محفوظة بالدستور، وأن المكون الكردي لا يحتاج إلى إراقة الدماء من أجل تحصيل حقوقه، مشدداً على أن الدولة السورية الجديدة هي الإطار الجامع والضامن لحقوق جميع مواطنيها. كما أكد أن التنوع الثقافي في سوريا يمثل مصدر قوة، وأعلن في مناسبة عيد النوروز أن هذا العيد يعكس خصوصية المكون الكردي، بالتوازي مع التأكيد على وحدة الشعب السوري.
من واقع الحرب إلى مرحلة السلام: نشأت “قسد” في ظروف الحرب التي فرضها النظام البائد، وفي ظل الفراغ الذي خلفه تراجع حضور مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من شمال شرق البلاد، إلى جانب الحرب على تنظيم “داعش”. لكن انتهاء الظروف التي أفرزت ذلك الواقع، واستعادة الدولة مسارها المؤسساتي، أعادا طرح مسألة مستقبل هذه الهياكل ضمن إطار الدولة السورية الواحدة.
وفي هذا السياق، أعلن مظلوم عبدي خلال مؤتمر صحفي في قصر الشعب بدمشق يوم الثلاثاء الماضي انتهاء مهمة “قسد” كقوة عسكرية مستقلة، مؤكداً اندماجها ضمن ألوية الجيش السوري، وربط الخطوة بانتقال البلاد من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام والبناء. ووصفت الولايات المتحدة عبر المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق توماس باراك الخطوة بأنها “حدث تاريخي” يعزز سيادة سوريا، ومسار يقود إلى جيش واحد وحكومة واحدة ودولة واحدة.
الاندماج يفتح مرحلة جديدة: ويفتح انتهاء قسد كقوة عسكرية مستقلة الباب أمام استكمال توحيد المؤسسات المدنية والإدارية والخدمية في شمال شرق سوريا، وربطها بصورة كاملة ببقية المحافظات. كما يتيح للدولة استعادة إدارة الموارد الوطنية في المنطقة، بما فيها النفط والغاز والزراعة والمياه والطاقة، وتوجيهها ضمن الاقتصاد الوطني، بما يدعم التعافي وإعادة الإعمار وتحسين مستوى الخدمات والمعيشة.
وفي هذا السياق، أكد مرعي أن إعلان اندماج قسد والإدارة الذاتية شكل نحو آفاق مستقبلية في سوريا، معرباً عن ترحيبه بالجهود التي أسهمت في تجنيب البلاد حرباً جديدة، وحفظت استقرارها ووحدتها، معتبراً أن المرحلة الجديدة تفتح المجال أمام معالجة الملف الكردي ضمن إطار الدولة ومؤسساتها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة