أزمة الأولويات في الفضاء العربي: هل الولاء للجماعة أم للوطن؟


هذا الخبر بعنوان "أزمة الأولويات في الفضاء العربي" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد الفضاء العربي تباينًا في المرجعيات الفكرية للنخب والمثقفين، يعكس تنوع البيئات السياسية والاجتماعية. تتراوح هذه المرجعيات بين الليبرالية، والقومية، والإسلامية، واليسارية، والمحافظة، ولكل منها رؤيتها الخاصة للدولة والاقتصاد والهوية وإدارة الشأن العام. هذا التعدد طبيعي ويعبر عن حيوية الفكر، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا في المرحلة الراهنة لا يتعلق بما يؤمن به المثقف أو بالشعارات التي يرفعها، بل بالسقف الذي يضعه فوق قناعاته: أي وطن يريد؟
كشفت العقود الماضية، بما شهدته من ثورات وحروب أهلية وانتقالات سياسية متعثرة وانهيارات مؤسساتية، أن أزمة الفضاء العربي لم تكن أزمة نقص في الأفكار أو المفكرين، بل كانت أزمة أولويات. المشكلة لم تكن في كثرة المشاريع الفكرية، بل في غياب الاتفاق على القواعد التي تسمح لهذه المشاريع بالتعايش داخل دولة واحدة.
هذه الإشكالية ليست جديدة، فقد شهدت أوروبا بعد قرون من الحروب الدينية والأيديولوجية محاولات فلسفية للبحث عن قواعد العيش المشترك. في السياق العربي، تعاملت نخب كثيرة، عن قصد أو عن غير قصد، مع الدولة بوصفها وسيلة لخدمة مشروعها الأيديولوجي أو هويتها الفرعية، لا باعتبارها الإطار الجامع الذي يحمي الجميع. فتحولت الدولة من مؤسسة محايدة إلى غنيمة سياسية، ومن وطن مشترك إلى ساحة صراع بين مشاريع متنافسة تسعى لاحتكار الشرعية والسلطة.
من أخطر نتائج هذا الخلل اختلاط مفاهيم أساسية؛ فاختلط الوطن بالسلطة، والدولة بالنظام، والحكومة بالوطن. أصبح نقد الحكومة يُقدَّم كعداء للدولة، وتغيير النظام كتهديد للوطن، بينما الدولة كيان دائم والحكومات والأنظمة أدوات متغيرة. عندما تُختزل الدولة في حزب، أو زعيم، أو طائفة، فإنها تفقد حيادها، ويتحول الصراع السياسي من تنافس على إدارتها إلى صراع على امتلاكها.
استلهمت الفلسفة السياسية الحديثة من تجارب أوروبا، حيث رأى جون رولز أن استقرار المجتمع يقوم على اتفاق حول مبادئ العدالة التي تضمن الحقوق المتساوية للجميع. وطوّر يورغن هابرماس مفهوم «الوطنية الدستورية»، مؤكدًا ولاء المواطن للدستور والمؤسسات. وحذرت حنة آرندت من أن ذوبان السياسة في العقائد المغلقة يقود إلى الشمولية، بينما دافع كارل بوبر عن المجتمع المفتوح.
الاستفادة من هذا الإرث لا تعني البحث عن وصفات جاهزة، بل توظيف التجربة الإنسانية في قراءة واقعنا. ومن هنا، نقترح مفهوم «العتبة الوطنية» كضرورة في النقاش السياسي العربي. العتبة الوطنية ليست أيديولوجيا جديدة، بل هي الحد الأدنى من الالتزام الأخلاقي والدستوري الذي يسبق كل انتماء فكري، ويجعل الاختلاف السياسي وسيلة لبناء الدولة لا لهدمها. إنها الشرط الذي يسبق السياسة، كما يسبق الأساس بناء المنزل.
لا يمكن الحديث عن تنافس ديمقراطي حقيقي إذا كان المتنافسون مختلفين حول وجود الدولة أو شرعية مواطنيها. العتبة الوطنية تسأل المثقف: هل تؤمن بقواعد الدولة حتى عندما لا تخدم مشروعك؟ الإجابة بنعم تعني اجتياز العتبة الوطنية، والشراكة في بناء الدولة. أما الإجابة بلا، فتعني الولاء للجماعة وليس للوطن.
تتأسس العتبة الوطنية على خمسة مبادئ: أولًا: الإيمان بالمواطنة المتساوية. ثانيًا: الخضوع الكامل لسيادة القانون. ثالثًا: القبول الحقيقي بتداول السلطة. رابعًا: رفض العنف والطائفية. خامسًا: الدفاع عن حقوق الخصم قبل الحليف. هذه المبادئ تضمن أن يكون تنافس الأيديولوجيات على خدمة الدولة لا احتكارها.
غياب هذه العتبة يجعل كل انتخابات معركة وجود، وكل انتقال سياسي أزمة وطنية، وكل اختلاف فكري مشروع انقسام. مفهوم «العتبة الوطنية» ينقل النقاش من سؤال «من هو المثقف الوطني؟» إلى سؤال «ما الحد الأدنى الذي يجعل جميع المختلفين شركاء في بناء الدولة؟». الوطنية بهذا المعنى التزام عملي بقواعد تجعل الدولة أكبر من جميع القوى السياسية، والدستور أعلى من جميع الأيديولوجيات، والمواطنة أوسع من جميع الهويات.
تطرح النخب العربية أسئلة جوهرية: هل أدافع عن حرية خصمي؟ هل أقبل بنتائج الانتخابات إذا خسرت؟ هل يبقى القضاء مستقلًا؟ هل يصبح القانون ظالمًا فقط لأنه لم يخدم مشروعي؟ هل أحب وطني حتى عندما لا تحكمه أفكاري؟ مستقبل الدولة العربية لن يتوقف على انتصار أيديولوجيا بعينها، بل على قدرة جميع الأيديولوجيات على الاعتراف بسقف أعلى منها جميعًا: الدولة الدستورية. الدول لا تتخلف بسبب اختلاف أفكار مواطنيها، بل لعجزها عن بناء قواعد يتفقون عليها. الاختبار الأخير لكل مثقف وسياسي وحزب: إذا وصل خصمك إلى السلطة عبر دستور وقانون وانتخابات نزيهة، فهل ستدافع عن حقه في الحكم؟ الإجابة بنعم تعني اجتياز العتبة الوطنية، والشراكة في بناء الدولة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة