رحلة المستلزمات الطبية من الحدود إلى جسد المريض: تساؤلات حول آليات الرقابة والتتبع


هذا الخبر بعنوان "في المشافي.. ”الوطن” تفتح ملف الرقابة على المستلزمات الطبية" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يدخل المريض غرفة العمليات وهو على علم غالباً باسم الطبيب ونوع الجراحة وتكلفتها، لكنه في كثير من الأحيان يجهل تفاصيل الشبكة التي ستزرع في شرايينه، أو الصمام الذي سيبقى داخل قلبه، أو البطارية التي سيعتمد عليها لسنوات طويلة. هذه المستلزمات ليست مجرد أدوات عادية تنتهي الرقابة عليها بمجرد وصولها إلى المستشفى، بل إن كل قطعة تتطلب مصراً ومواصفات ورقم تشغيلة أو رقماً تسلسلياً ومساراً قابلاً للتتبع حتى لحظة استخدامها للمريض.
تثير المعلومات المتداولة في الأوساط الطبية حول وجود بعض المستلزمات برسم الأمانة في بعض المشافي، إلى جانب فروقات أسعارها، تساؤلات جوهرية تتجاوز البعد المادي؛ إذ تطرح قضايا تتعلق بكلية دخول هذه المستلزمات، وجهات الرقابة على مصدرها وصلاحيتها ومطابقتها، وإمكانية تتبع مسار كل قطعة بدقة. ومع أن هذه المعطيات لا تعني بالضرورة وجود مخالفات أو مواد مهربة، إلا أنها تختبر كفاءة المنظومة الرقابية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمواد تبقى داخل جسم الإنسان لأعوام.
في المقابل، نفى مصدر في وزارة الصحة خلال تصريحات لـ«الوطن» وجود أي مستلزمات طبية مهربة أو غير نظامية ضمن المشافي العامة أو الخاصة، مؤكداً استمرار الرقابة على المنشآت الصحية. وفي الوقت نفسه، أقر المصدر بضبط نحو 50 قسطرة منتهية الصلاحية في أحد مشافي دمشق الخاصة، إلى جانب رصد مخالفات أخرى من قبل الجهات المختصة، مما يطرح علامات استفهام حول توقيت وفعالية الإجراءات الرقابية.
أوضح الدكتور “زكوان قريط”، أستاذ إدارة الأعمال في جامعة دمشق والمسؤول الإداري السابق في مشفى المواساة، لـ«الوطن» أن ظاهرة المستلزمات برسم الأمانة قد تظهر في بعض المشافي الخاصة عبر تعاملات مع شركات وموردين يتركون بضائعهم في المستشفيات على أن يتم دفع ثمنها عند استخدامها. وشدد “قريط” على ضرورة تنظيم هذا النوع من العلاقات وإخضاعه لمعرفة الجهات الصحية، مقترحاً إلزام المشافي بتقديم بيانات دقيقة تشمل الكميات، والمواصفات، وتواريخ الصلاحية، والمصادر، فضلاً عن تنفيذ تفتيش مفاجئ على المستودعات.
تتجه النقاط الأكثر حساسية نحو طبيعة العلاقة بين الموردين وبعض الأطباء، حيث قد تتداخل المصالح التجارية مع قرار اختيار المستلزم المناسب للمريض. وأشار “قريط” لـ«الوطن» إلى احتمالية حصول بعض الأطباء على نسب مرتبطة بالمواد المستخدمة، دون أن يعني ذلك اتهاماً للجميع، مؤكداً في الوقت ذاته ضرورة وضع ضوابط واضحة تمنع تضارب المصالح لضمان أن يكون الاختيار مبنياً حصراً على الحاجة الطبية والمواصفات الفنية.
تكمن الخطورة الكبرى في إمكانية استخدام مستلزمات مجهولة المصدر تحت غطاء بضائع أخرى دخلت بطرق نظامية. ولتجاوز هذه الثغرة، يقترح “قريط” عبر «الوطن» مقارنة الكميات المسجلة بالواقع الفعلي داخل المستشفيات، مشدداً على أهمية نظام الترميز والتتبع الشامل الذي يوثق اسم الشركة المصنعة، المورد، رقم التشغيلة، تاريخ الصلاحية، والجهة المستلمة.
تتوزع مسؤولية الرقابة بين عدة جهات، تبدأ بدور الجمارك عند الحدود وتمر بوزارة الصحة داخل المشافي لمراقبة المستودعات والمواد المستخدمة ومطابقتها مع الوثائق. ويؤكد “قريط” أهمية وجود جهة صحية قادرة على تحديد مصدر كل مستلزم وربطه بالجهة المستوردة، إلى جانب تحمل إدارات المشافي والكوادر الطبية مسؤولية التوثيق والترميز.
في خضم هذه السلسلة المعقدة، يبقى المريض الحلقة الأضعف، وله الحق الكامل في معرفة تفاصيل المواد المزروعة في جسده، بما في ذلك الشركة المصنعة، بلد المنشأ، ورقم التشغيلة وتاريخ الاستخدام، لتكون هذه البيانات مرجعاً أساسياً في حال ظهور أي طارئ أو سحب للمنتج من الأسواق.
صحة
صحة
صحة
صحة