من مسالخ الأسد إلى رحاب الحرية: معرض "حين تتكلم الجدران" يوثق فظائع السجون السورية


هذا الخبر بعنوان "بين “سوريا الأسد” و”سوريا الجديدة”… جدران تتكلم ورحلة من غياهب السجون إلى رحاب الحرية" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد انتصار الثورة السورية على أعتى الأنظمة الحاكمة وأكثرها إجراماً، بدأت الفظائع تتكشف تدريجياً في سجون الأسد التي كانت بمثابة "مسالخ بشرية"، استفاد فيها مجرمي النظام البائد من خبرة النازيين في بناء منظومة متوحشة قائمة على أساليب قمعية ممنهجة، ما جعل السجون السوريّة مسارح لأبشع أنواع التعذيب، لتبدو وكأنها "نسخة مصغرة من الجحيم".
في "معرض دمشق الدولي" الذي اختتمت فعالياته قبل يومين، حوّلت وزارة الداخلية السورية جناحاً خاصاً إلى متحف حمل عنوان "حين تتكلم الجدران"، وثقت فيه إرثاً من القمع والتعذيب تركه النظام البائد، وجسّدت فيه الوحشية المطلقة التي أدرجت سوريا في قائمة الأنظمة الأكثر قمعاً في العالم، زمن حكم الأسدين (الأب والابن).
يكشف هذا الركن جانباً من واقع السجون، عبر وثائق من داخل غياهبها بقيت شاهدة على فظائع النظام البائد، وتضع الزوار أمام حجم الألم والمعاناة التي عاشها المعتقلون، بينما يعرض في جانب آخر التحول نحو مفهوم السجون الإصلاحية والتأهيل التي تراعي المبادئ الإنسانية. في "سوريا الأسد" تهتز القلوب وتبكي العيون وتنهمر الدموع وتحمل الوجوه ملامح الألم أمام شواهد تستحضر فصولاً قاسية من الذاكرة السورية.
فعندما تتكلم الجدران لم يكن ركناً بقدر ما كان شاهداً على أكثر سنوات القهر والألم التي عاشها السوريون خلال 14 عاماً، كاشفاً جانباً من الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد خلف الأبواب الموصدة. يشعر الزوار هنا وكأن الأضواء قد خفتت، وأن المساحات قد ضاقت، ومع كل خطوة تصبح الخطوات أثقل والنَفّس أضيق وكأن الجدران تقترب على بعضها لتخنق زائريها.
تظهر على جانبي الطريق صناديق زجاجية تضم مقتنيات سجناء عاشوا في ظروف لا تمت للإنسانية بصلة؛ قطعة ملابس شتوية مهترئة، وأشياء بسيطة تتحول إلى شهادات حية تعبّر عن الإرادة البشرية التي لم تنكسر رغم الظروف اللاإنسانية، حتى أحجار الشطرنج وأوراق اللعب أخذت معنى مختلفاً في محاولة لخلق لحظة تشبه الحياة الطبيعية.
بعدها تنطق الجدران بعبارات تركها السجناء، بكلمات كُتبت في لحظات امتزج فيها الخوف بالأمل والانتظار باليأس، ليتحول الجدار إلى شاهد أقوى من كثير من الروايات. ثم تظهر المهاجع بتفاصيلها القاسية وبجانبها أدوات التعذيب الصامتة اليوم، قبل الانتقال إلى قسم آخر يحوي أبواباً حديدية مصفحة وثقيلة مغلقة على فراغ يحمل في داخله أصواتاً لا تُسِمع إلا المخيلة، وصولاً إلى قسم "العشاء الأخير" وهو المشهد الأكثر هدوءًا وإيلاماً.
في سوريا الجديدة، وبعد قطع كل هذه المسافة داخل عالم من الظلام والألم، يتغير كل شيء فجأة؛ فبعد العتمة ينبثق الضوء، وبعد الجدران الضيقة تأتي السماء الواسعة. يستعيد الزائر أنفاسه عندما يظهر أمامه جندي مبتسم يقول: "أهلاً بك في سوريا الجديدة"، ليمثل هذا الجناح انتقالاً من زمن أسود إلى زمن ناصع البياض، ومن مكان كان الإنسان يدخله ولا يعرف إن كان سيخرج منه، إلى مكان رحب تسكنه السكينة والطمأنينة والإنسانية والحرية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي