المونة السورية: تراث عريق في حفظ خيرات المواسم وتقوية الروابط الاجتماعية


هذا الخبر بعنوان "المونة السورية… تراث البيوت في حفظ خيرات المواسم" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
حين يجمع الصيف ألوانه الأخيرة وتطل نسمات الخريف، تتحول البيوت السورية في المدن والأرياف إلى خلايا نحل لا تهدأ، فتمتد الشراشف فوق الأسطح، وتتدلى خيوط البامية على الشرفات، فيما تصطف المرطبانات الزجاجية فوق رفوف النملية وداخل بيت المونة. ومن قلب هذا المشهد، تفتح زاوية نبض التراث هذا الأسبوع باب بيت المونة السوري، لتروي حكاية تقليد حافظ عبر العصور على طرق حفظ الطعام، وجمع أفراد الأسرة حول العمل الموسمي، وغدا طقساً اجتماعياً وثقافياً يعكس حكمة البيت السوري في الإفادة من خيرات الأرض والاستعداد للشتاء وتقلبات الفصول.
يتصدر المكدوس أصناف المونة السورية حتى استحق لقب ملك المونة، إذ تُسلق حبات الباذنجان الصغيرة وتُصفّى ثم تُحشى بالجوز والفليفلة الحمراء والثوم، قبل أن تُغمر بالزيت، وإلى جانبه تحضر الجبنة البلدية واللبنة المكبوسة والشنكليش بوصفها أشكالاً متعددة لحفظ منتجات الحليب. وتؤدي الشمس دوراً أساسياً في هذا التراث، فتُجفف تحت أشعتها الملوخية والبامية والباذنجان وقشور الكوسا بعد حفرها، وتتحول البندورة والفليفلة والرمان، بالعصر والطبخ البطيء، إلى دبس مركز، فيما تحفظ المربيات نكهة التين والمشمش والقرع. أما موسم الحبوب, فله طقوسه الخاصة، إذ يُسلق القمح ويُجفف ثم يُجرش لإنتاج البرغل، بينما تُشوى السنابل الخضراء لإعداد الفريكة، وكانت الحبوب والعدس تُحفظ قديماً في الخوابي الفخار، بعيداً عن الرطوبة والحشرات.
يقدم الباحث والمؤرخ الدمشقي منير كيّال في كتابه “إيقاعات شامية في مكنون السلوك الدمشقي” صورة حية عن حضور المونة في الحياة اليومية لدمشق، فيذكر أن دكاكين السمانين كانت تعرض الكشك البيتي، وأن تجار الحبوب تعاملوا بالبرغل والكشك، إلى جانب الجبن والبيض. كما يوثق انتقال الفائض من مؤونة الفلاحين إلى مخازن المدينة، ومعاينة البرغل الناعم والخشن والكشك للتأكد من جودتها ومن كونها مؤونة السنة قبل الاتفاق على سعرها. وفي حوار نشرته مجلة الثقافة الشعبية، استعاد كيّال جانباً من طفولته في حي الشاغور، حين كان يذهب يوم الجمعة إلى القرى المحيطة بدمشق، حاملاً ما يصنعه معمل الزجاج من كؤوس وأباريق، ليبادلها بما يحصل عليه من مؤونة، كالبرغل والجبن والبيض، ثم يعود بها إلى أسرته.
يقدم الباحث والأديب نصر الدين البحرة في كتابه “دمشق الأسرار”، الصادر عام 1992، المونة بوصفها جزءاً من تاريخ البيت الدمشقي اليومي، حيث تحولت ساحته الداخلية، أو أرض الديار، إلى فضاء للعمل العائلي وتبادل الخبرات وإنجاز المهام الموسمية. ووثق الأديب والباحث عادل أبو شنب في دراسته الفلكلورية “دمشق أيام زمان” صوراً من حياة الدمشقيين وذاكرتهم الشعبية. ووثقت الأنثروبولوجية تشاينا ساجاديان، في دراسة منشورة بمجلة أخبار الأنثروبولوجيا الأمريكية سنة 2025 نتيجة عمل ميداني سابق مع عائلات سورية نازحة في سهل البقاع، استمرار إعداد المكدوس ودبس الفليفلة وتجفيف الخضراوات، وخلصت إلى أن المونة تقليد وجدانياً وعمل منزلي أساسي يساعد الأسر على تقليل الإنفاق ومواجهة ظروف النزوح وضعف الدخل.
تظهر القيمة الإنسانية للمونة في طقس العونة، حين تجتمع الجارات والقريبات حول طشت المكدوس أو لتنقية الملوخية وفرم الفليفلة، وبين العمل والأحاديث والأغاني، تنتقل الخبرة من الجدات إلى البنات والحفيدات. وترى سعاد بقدونس، وهي ربة منزل من ريف دمشق، أن إعداد المونة في البيت أقل تكلفة وأكثر ضماناً وأطيب مذاقاً، وهي تتعاون اليوم مع بناتها المتزوجات وكناتها في إعداد المونة وتوزيعها على عائلاتهن.
تشير بحوث أثرية إلى قدم تخزين المحاصيل في شمال سوريا، فقد تناولت أطروحة أكاديمية محفوظة لدى جامعة كوليدج لندن بقايا محاصيل من تل براك وتل كرمة، وهو ما يعكفه الباحثون لبيان عمق الصلة بين الزراعة وتدبير الغذاء. ومع تنوع الجغرافيا السورية، أخذت المونة من كل بيئة محاصيلها وذائقتها ووسائلها المتاحة، لتظل المونة ذاكرة منزلية وخبرة اقتصادية متوارثة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة