نصف قرن من الصراعات في الشرق الأوسط: عندما يكثر المنتصرون ويغيب النصر الحقيقي


هذا الخبر بعنوان "الشرق الأوسط… حين يكثر “المنتصرون”ويغيب النصر!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: المهندس محمود محمد صقر
عندما نضع أمامنا خريطة الشرق الأوسط عام 1979 ونتأملها قليلًا، نجد أن البحار في أماكنها، والجبال لم تتحرك، والمدن الكبرى ما زالت تحمل أسماءها، وحتى معظم الحدود بقيت كما رسمها التاريخ. ومع ذلك، مرَّ من فوق هذه الخريطة نصف قرن كأنه عدة قرون؛ حيث انتهت حروب لتفجير أخرى، ووُلدت تحالفات ثم انقلبت، وصعدت عواصم وانكفأت أخرى، وعبرت جيوش الحدود، وأصبحت قوى من خارج الدول أحيانًا أقوى من الدولة نفسها.
وفي كل مرة تقريبًا، كان هناك من يعلن النصر؛ فقد انتصر من بقي، وانتصر من ردع، وانتصر من أسقط خصمه، ومن منعه من إسقاطه، ومن أغلق الطريق أو فتحه أو امتلك القدرة على إغلاقه متى شاء، حتى امتلأت منطقتنا بالمنتصرين وفي الوقت نفسه بالخسائر، وهنا تبدأ المفارقة.
ربما أخطأنا طويلًا في تعريف القوة، فقد حسبنا قدرة الإنسان على إيذاء خصمه، ولم نحسب دائمًا قدرته على تحسين حياة شعبه. فالذي يستطيع إحراق مدينة يملك قوة، والذي يستطيع تعطيل بحر يملك قوة، والذي يجعل خصمه يخشاه يملك قوة، لكن هناك قوة أصعب تتمثل في أن تجعل ابنك يريد البقاء في وطنه، وأن تكون جامعتك أقوى من جبهتك، وعملتك أكثر طمأنينة من خطابك، ومدينتك أكثر جذبًا للإنسان من المطار الذي يغادر منه.
هنا يفترق الصمود عن النصر؛ فالصمود هو أن تمنع الآخر من إسقاطك، أما النصر فهو أن تنجو من المعركة من دون أن تخسر المستقبل الذي خضت المعركة من أجله. لقد أتقن الشرق الأوسط، خلال نصف قرن، صناعة قوة التعطيل، مثل كيفية إغلاق طريق وتهديد ممر وإرباك اقتصاد واستنزاف خصم وتحويل الجغرافيا إلى ورقة ضغط، لكن تعطيل الطريق لا يبني طريقًا، وإيلام خصمك لا يشفي جرحك، وأن تستطيع قلب الطاولة لا يعني أنك تعرف ماذا ستضع عليها بعد ذلك.
ليست القوة أن تستطيع إحراق الطاولة، بل أن تجعل الآخرين يريدون الجلوس معك حولها. ولهذا، قد لا تكفي خرائط المحاور القديمة لفهم ما يجري اليوم، فقد نكون أمام نهاية زمن كان يسأل من يستطيع إخافة الآخر، وبداية زمن سيسأل سؤالًا أشد قسوة حول من يستطيع أن يبني شيئًا يستحق البقاء.
وعندما نعود إلى خريطة 1979 بعد كل هذه السنوات، لن يكون السؤال الأهم هو كم مرة تغيّر ميزان القوة، بل بعد نصف قرن من الحروب والصمود والردع والانتصارات المعلنة، أيُّ شرق أوسط صنعنا؟ فالتاريخ لا يسأل المنتصرين فقط عمّن هزموه، بل يسألهم أيضًا عما بنيتموه بعد أن انتصرتم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة