سوريا محلي

رحلة الأسرة السورية ما بعد الحرب: تحديات إعادة اكتشاف الهوية والانتماء

syria.tv٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٠٨ ص1 مشاهدة
رحلة الأسرة السورية ما بعد الحرب: تحديات إعادة اكتشاف الهوية والانتماء

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الأسرة السورية بعد الحرب وإعادة اكتشاف الهوية" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتشكَّل الهوية عبر اللغة والذاكرة والمكان والعائلة والتجارب والعلاقات، وتعيد السنوات صياغتها كما تعيد الأحداث الكبرى تشكيل المجتمعات. وحين عاش ملايين السوريين خارج وطنهم لسنوات طويلة تغيَّر مفهوم هويتهم نتيجة التجارب الجديدة التي عاشوها اجتماعياً وثقافياً، لذلك فإنَّ عودتهم إلى أرض الوطن ستكون عودة لهويات تشكَّلت في أماكن متعدِّدة، وعودة لهويات تغيَّرت تحت وطأة الحرب والنزوح والتحوُّلات الاجتماعية.

وهذا ما يعني أنَّنا أمام مرحلة مهمة في التكوين الهوياتي للسوريين وهي إعادة اكتشاف الهوية السورية، كما أنَّنا أمام تساؤل عن إمكانية قدرة سوريا الجديدة على الانتقال من مفهوم الهوية الثابتة إلى هوية قادرة على استيعاب الاختلاف دون أن تفقد جذورها. ويتحمل الجميع مسؤولية كبيرة للتوفيق بين ما يتعارض في الذوق وطريقة الكلام والتصرُّف والسلوك والتعامل والتربية وغيرها الكثير، خاصة وأنَّ الأسرة السورية كانت تعتزُّ في الماضي بوحدتها الاجتماعية المتجانسة نسبياً.

في الحقيقة، لا يمكننا أن نختزل التحوُّل الاجتماعي الذي طرأ على المجتمع السوري خلال سنوات الحرب في أعداد النازحين واللاجئين أو في الخرائط التي توضِّح أماكن انتشارهم، فملايين السوريين عاشوا فترة طويلة خارج البيئة التي تشكَّلت فيها شخصياتهم الأولى، ودخلوا في علاقات جديدة مع اللغة والتعليم والعمل والقانون والأسرة والمجتمع. لقد غادر كثيرون أرض سوريا في سن مبكِّرة وقضوا الجزء الأكبر من سنوات نضجهم في الخارج، وبعضهم بدأ حياته هناك وأسَّس عائلة كاملة بعيداً عن سوريا، بينما لم يعرف آخرون الوطن أصلاً إلا من خلال ذاكرة والديهم.

لذلك تحمل العودة معنى يتجاوز الانتقال من جغرافيا إلى جغرافيا؛ فالشخص الذي يعود بعد عشرة أو خمسة عشر عاماً ليس الشخص ذاته الذي غادر، كما أنَّ المكان الذي يعود إليه لم يعد المكان ذاته الذي بقي في ذاكرته، لأنَّ الزمن صنع مسافة بين الاثنين، والعودة ستضعهما أمام ضرورة اكتشاف بعضهما من جديد. لقد أعادت الحرب تشكيل العائلة السورية نفسها بعد أن أدَّت إلى انفصال أبنائها عن بعضهم البعض وعن بلدهم أيضاً.

صرنا نرى في الأسرة زواجاً بأشخاص من جنسيات وثقافات أخرى، وأطفالاً يحملون أسماء غريبة عن ثقافتنا ويتحدَّثون بلغات متعدِّدة غير العربية بلهجاتها السورية المتعدِّدة. هذا التنوُّع الكبير الذي طرأ على الأسرة السورية يحمل منظومة مختلفة وشديدة الكثافة من القيم والتقاليد، ويحمِّل العائلة مسؤولية كبيرة للتوفيق بين المختلفات في الذوق والسلوك والتربية. ولا يعني هذا الكلام بالضرورة تفكُّك الروابط الأسرية في سوريا، بل قد يخلق شكلاً جديداً من الترابط الذي يحتاج إلى مرونة في التعامل مع الآخر، خاصة بالنسبة للأطفال الذين ولدوا خارج سوريا ولم يحملوا ذاكرة شخصية للحرب.

وعندما يصل هؤلاء الأطفال إلى سوريا، قد يكتشفون أنَّ الصورة التي تكوَّنت في خيالهم تختلف عن الواقع، ليشعر بعضهم بالحماس بينما يشعر آخرون بالغربة. ممَّا يعني أنَّ الهوية ليست نتيجة مباشرة لمكان الميلاد، ويمكن لهذه الازدواجية أن تتحوَّل إلى مصدر ثراء إذا تعامل معها المجتمع باعتبارها جزءاً طبيعياً من حياة جيل جديد. وتظلُّ الأسرة المساحة الأولى التي يتعلَّم فيها الإنسان معنى الانتماء، وحين تصبح الأسرة متعدِّدة الثقافات، فإنَّ مهمتها هي المساعدة على الخروج من شرنقة الهوية المغلقة وإعانة الطفل على بناء علاقة متوازنة مع جميع مكونات هويته دون الشعور بضرورة الاختيار بين هوية والديه.

شارك الخبر: