سياسة

معركة الهوية والذاكرة: نحو استعادة القدرة على تأليف الذات السورية

حرية برس٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٢٤ م3 مشاهدة
معركة الهوية والذاكرة: نحو استعادة القدرة على تأليف الذات السورية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "استرداد القدرة على تأليف الذات السورية" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

ليست الذات السورية مجرد مصطلح مجازي، بل هي تأسيس وطني راسخ لا تستقيم الحياة السياسية دونه. إن هذه الذات الوطنية ليست هبة، بل هي مهمة تتطلب الابتكار، فالبشر في السياسة يؤلفون ذواتهم بأنفسهم. يكتسب هذا النقاش أهمية بالغة في هذه اللحظة التاريخية، حيث غاب الحديث عن المادة الأساسية التي تشكلت منها الذات السورية المعاصرة أو بات لا يُستعاد إلا نادراً. وتكمن هذه المادة في جوهرها بلحظة عام 2011، ليس فقط بوصفها اللحظة التي دشنت الثورة وصولاً إلى إسقاط الأسد، بل بوصفها، وقبل ذلك وأعمق منه، لحظة اجتماع سياسي مدني حديث سعى من خلاله السوريون متعاونين إلى استرداد ملكيتهم السياسية في وطنهم.

بات ضرورياً التوقف بحزم أمام مساعي التقليل من حضور هذه اللحظة العظيمة في التاريخ السوري وتهميش أهميتها لمصلحة إبراز لحظة الثامن من ديسمبر (2024) بوصفها اللحظة المؤسسة للجديد. بطبيعة الحال، لا ينتقص هذا الطرح من أهمية لحظة التحرير التي تعد عظيمة بلا شك، ولكنه يحذر من النتائج المترتبة على بناء سردية جديدة تجب ما قبلها لمجرد أنها لحظة نصر، مما يجعل تهميش فكرة الثورة وتغييب الثوار السلميين عن الذاكرة العامة أمراً مشروعاً وممنهجاً.

في العمق، يعني هذا التهميش تغول سردية "ردع العدوان" على سردية الثورة السورية، في تغول جديد وعنيف لمفهوم الفصيل على مفهوم التنسيقية، وللبندقية على السياسة، وللأيديولوجيا على الوطنية. هذا الصراع يحدد نوعية السوري الأخير الذي سنصيره جميعاً، ونوعية العلاقة التي سنبنيها مع ماضينا، بل يحدد معنى النصر نفسه ومدى أهليتنا الاجتماعية والسياسية لفكرة الحرية.

يؤكد استرداد الحق في تأليف الذات السورية ضرورة استعادة الفعل من البطولة العسكرية، دون إنكار الدور العسكري وما انطوى عليه من تضحيات كبرى تستحق التقدير، وذلك من أجل إعادة الاعتبار لفعل السياسة الوطنية. إن مقولة إن المنتصر يكتب التاريخ ليست صحيحة دائماً ولا سيما في الحالة السورية، فما من منتصر يصر على احتكار كتابة التاريخ إلا وحول انتصاره إلى هزيمة، وما لم يكتب السوريون العاديون تاريخهم فسيتحول الجميع إلى مهزومين.

ولا يزال السوري العادي تحت سطوة ظاهرة "السوري المقلوب" الذي يرى ذاته والعالم أيديولوجياً، محاولاً فرض روايته على الآخرين. ويمثل العاديون الأقلية الناجية الوحيدة من هذه الظاهرة التي ينقلب فيها التفكير إلى تقليد، وتصبح الفكرة هي التي تحاكم البشر وتحدد مصائرهم. من جهة أخرى، فإن الاعتقاد بأن الانطلاق من الخارج إلى الداخل أو من الاقتصاد إلى السياسة كفيل بحل المشكلات لا يصمد طويلاً أمام التجربة.

يبقى التحدي الأبرز متمثلاً في قدرة السوريين على العيش بدلالة المستقبل لا الماضي، إذ لا يزال مسؤولو الحكومة الجديدة والمحافل الدولية يستحضرون حقبة الأسد باستمرار. إن تأليف الذات الوطنية الحقيقية يكمن في قدرة المرء على الإجابة عن سؤال "من أنا" دون الحاجة الدائمة للبدء باسم من ظلمه، فالذاكرة الوطنية التأسيسية تتجاوز تذكر كيف مات الناس لتسأل لماذا ماتوا وكيف أرادوا أن يعيشوا أصلاً. لقد كان السؤال الجوهر في عام 2011 هو: من يمتلك سورية بوصفها وطناً؟ لتتجسد الإجابة في عبارة "سورية لينا"، وليست ملكاً لعائلة أو حزب أو طائفة. إن التحرر من الظالم لا يكتمل إلا بالتحررر إلى الذوات، وفي هذه المساحة تبدو السياسة ملكية عمومية لا يجوز خصخصتها أبداً.

شارك الخبر: