اقتصاد

الفن السوري يعود ليغني.. طريق نحو التعافي الاقتصادي والاجتماعي

syria.tv٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:٤٤ ص3 مشاهدة
الفن السوري يعود ليغني.. طريق نحو التعافي الاقتصادي والاجتماعي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حين يغني السوريون من جديد.. الفن بوصفه طريقاً إلى التعافي الاقتصادي" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في لحظات تتجاوز قيمتها مجرد أرقام المبيعات أو إيرادات الجماهير، يستعيد السوريون جزءاً من حياتهم، مدركين أن الأماكن التي عرفوها لا تزال قادرة على جمعهم، وأن الذاكرة المثقلة بسنوات الحرب لم تندثر بالكامل.

عندما عادت الفنانة أصالة نصري إلى دمشق في سبتمبر الماضي، بعد غياب دام نحو ستة عشر عاماً عن إحياء الحفلات في سوريا، لم يكن حدثاً فنياً فحسب. فقد شهدت حفلتها الجماهيرية، التي رعتها وزارة الثقافة السورية ونظمتها شركة "أوغار"، حضور حوالي خمسة آلاف شخص. هذا المشهد أعاد طرح تساؤل أوسع حول دور عودة الثقافة في مسيرة التعافي الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

لم تقتصر خسائر سوريا خلال الحرب على المصانع والطرق والمساكن، بل امتدت لتشمل سنوات من الحياة المشتركة، وتشتت العائلات، وتوزع السوريين بين الداخل واللجوء والاغتراب، وتغيرت علاقتهم بمدنهم وذكرياتهم. لذا، فإن عودة المسارح والحفلات لا تمثل مجرد استعادة لنشاط ترفيهي، بل هي فرصة لإحياء مساحات تلتقي فيها الناس خارج ضرورات الحياة اليومية، وتشاركهم تجربة لا تقوم على الخوف أو الانتماء الضيق.

من القدود الحلبية والموشحات إلى الطرب الدمشقي والأغنية الشعبية، ظل الفن جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السوري، عابراً للمدن والأجيال. قد تستدعي أغنية ذكرى عائلية لدى شخص، أو مدينة غادرها آخر، بينما يجد فيها شاب باباً للتواصل مع جيل أقدم منه.

لا ينظر السوريون إلى كل عودة فنية بنفس الطريقة. فقد رافق حفل أصالة نقاشات واعتراضات إلى جانب الحضور الجماهيري الواسع، مما يعكس تباين المواقف والذكريات التي خلفتها الحرب. هذه التجارب لا تمحو الجروح ولا توحد الذاكرة السورية، لكنها تتيح مساحة يمكن أن يتجاور فيها المختلفون. فالفن لا يصنع المصالحة بقرار، ولكنه يهيئ مساحة يمكن أن تصبح فيها الحياة المشتركة ممكنة. في هذا السياق، تترقب سوريا حفلاً للفنان فضل شاكر في ديسمبر المقبل، وتتجاوز دلالة هذه الفعالية المرتقبة اسم الفنان إلى سؤال أوسع: هل يستطيع المشهد الثقافي استيعاب جمهور متنوع وإدارة الاختلاف دون تحويله إلى خصومة جديدة؟

من الحفلات إلى اقتصاد ثقافي مستدام:

لا يمكن للتعافي الثقافي أن يعتمد على أسماء النجوم وحدها. فالحفلات الكبرى تجذب الجمهور والاهتمام الإعلامي، لكنها تظل مناسبات محدودة ما لم تستند إلى مؤسسات وبرامج مستمرة. هنا تبرز أهمية دار الأوبرا السورية، التي يمكن أن يتجاوز دورها استضافة الأمسيات الموسيقية إلى احتضان المسرح والسينما والشعر والفنون التشكيلية، وتوفير فرص التدريب والعرض للمواهب الجديدة. شهدت الدار خلال عام 2026 فعاليات متنوعة، منها مهرجان "إشراقات" الذي جمع معارض فنية وأمسيات شعرية وعروضاً مسرحية وموسيقية وسينمائية. تكتسب هذه الأنشطة أهميتها من قدرتها على توسيع المشاركة الثقافية، وتلبية احتياجات الطلاب الراغبين في تعلم الموسيقى، والشباب المحتاجين لمنصات لعرض أعمالهم، والمخرجين الباحثين عن جمهور، والفنانين الموهوبين الذين يفتقرون إلى فرص التدريب والإنتاج.

إذا عملت المؤسسات الثقافية ببرامج منتظمة ومتاحة، يمكنها المساهمة في بناء قطاع يوفر فرصاً للفنانين والتقنيين والمنظمين والمصممين والعاملين في الصوت والإضاءة والإنتاج والتسويق. لكن هذا التعافي يجب ألا يظل محصوراً في دمشق، فالحياة الثقافية التي لا تصل إلى حلب وحمص واللاذقية ودرعا ودير الزور وبقية المدن ستبقى ناقصة.

في هذا الإطار، شهدت حمص الشهر الماضي مهرجاناً سينمائياً للأفلام القصيرة، بمشاركة ثلاثين فيلماً روائياً ووثائقياً وتجريبياً، أقيم في صالة سينما مدمرة. حمل المهرجان اسم المخرج باسل شحادة، وانتقلت عروض الأفلام الفائزة إلى دار الأوبرا في دمشق. تجمع هذه التجربة بين استعادة النشاط الثقافي في مدينة تحمل آثار الدمار، ومنح صناع الأفلام فرصة للوصول إلى الجمهور، وتوثيق الذاكرة السورية من خلال قصص الناس وتجاربهم. وإذا استمر المهرجان وتطور، فقد يتحول إلى منصة للتدريب والإنتاج المشترك، ويعيد وصل السينمائيين في الداخل بنظرائهم في الخارج.

تحويل النشاط الثقافي إلى قيمة اقتصادية:

لا يقتصر أثر الفن على مبيعات التذاكر. فكل حفلة تحتاج إلى خدمات التجهيز والإضاءة والصوت والنقل والإعلان والتنظيم، وكل فيلم يعتمد على فرق فنية وتقنية وشركات إنتاج وتوزيع. ومع تكرار الفعاليات، يمكن لهذه الأعمال أن تتحول إلى سوق توفر دخلاً وفرص عمل وتساعد الشركات الصغيرة على النمو.

يتوقف حجم الأثر على مدى مشاركة الشركات والمواهب المحلية. فإذا استوردت الفعاليات معظم خدماتها ومعداتها من الخارج، غادر جزء من الإنفاق الاقتصاد السوري. أما إذا بُنيت قدرات وطنية في الإنتاج والتنظيم والتوزيع والتسويق، فيمكن للإنفاق الثقافي أن يخلق قيمة مضافة وفرصاً مستدامة. المعيار ليس كم أنفق الجمهور في ليلة واحدة، بل كم عملاً ومهارة وشركة وفرصة مستدامة خلقتها تلك الليلة.

يمتد هذا المنطق إلى السياحة الثقافية. فسوريا تمتلك مدناً تاريخية وأسواقاً قديمة ومواقع أثرية وموروثاً موسيقياً وحرفياً متنوعاً. يمكن للمهرجانات والعروض المنتظمة أن تشجع الزوار على اكتشاف المدن وأسواقها ومطاعمها ومواقعها التاريخية، وأن تفتح فرصاً للتعاون بين الفنانين السوريين في الداخل والاغتراب.

يتطلب ذلك أكثر من تنظيم مناسبات متفرقة؛ يحتاج إلى سياسة ثقافية واقتصادية توفر التمويل والتدريب وتحمي الملكية الفكرية، وتسهل تأسيس شركات الإنتاج وتنظيم الفعاليات، وتتيح فرصاً عادلة للمواهب. كما ينبغي تنويع مصادر التمويل بين المؤسسات العامة والقطاع الخاص والرعاية والمنح والشراكات الدولية، مع ضمان الشفافية في توزيع الدعم.

الثقافة جزء لا يتجزأ من التعافي:

في بلد يواجه ضغوطاً اقتصادية واسعة، قد يبدو الإنفاق على الفنون أقل إلحاحاً من الكهرباء والمياه والصحة والتعليم. وهذه أولوية مفهومة، لكن وضع الفن في مواجهة الاقتصاد هو خطأ في فهم الاثنين معاً. فالمجتمع يحتاج إلى الخدمات الأساسية، ويحتاج كذلك إلى مساحات للتعبير والتواصل. في حين يستطيع القطاع الثقافي، إذا نُظم جيداً، أن يخلق دخلاً وفرص عمل ويجذب الإنفاق والاستثمار.

حين يجد الموسيقي مكاناً يتدرب ويعرض فيه، والمخرج جهة تنتج فيلمه وتوزعه، والشاب فرصة لتعلم حرفة فنية، والمدينة مهرجاناً يعود إليها كل عام، يصبح الفن جزءاً من الاقتصاد. ليس المطلوب أن تحل الحفلات محل المصانع أو أن تتقدم المهرجانات على إعادة بناء البنية التحتية، بل أن ندرك أن التعافي الاقتصادي والاجتماعي متكاملان. الاقتصاد يحتاج إلى مجتمع قادر على التعاون والتعلم والإبداع، والثقافة تساعد على بناء هذه القدرات، كما تحتاج بدورها إلى بنية تحتية ومؤسسات تضمن استمرارها.

لقد أظهرت عودة أصالة إلى دمشق، وأنشطة دار الأوبرا، وتجربة مهرجان حمص السينمائي، وجود جمهور وفنانين ومساحات يمكن البناء عليها. لكن الاختبار الحقيقي ليس نجاح حدث منفرد، بل قدرة سوريا على تحويل هذه البدايات إلى حياة ثقافية منتظمة، تمتد إلى المدن المختلفة، وتفتح المجال أمام الأجيال الجديدة، وتصل الإنتاج المحلي بالأسواق العربية والدولية.

حين يجد الموسيقي مكاناً يتدرب ويعرض فيه، والمخرج جهة تنتج فيلمه وتوزعه، والشاب فرصة لتعلم حرفة فنية، والمدينة مهرجاناً يعود إليها كل عام، يصبح الفن جزءاً من الاقتصاد، لا خبراً عابراً في صفحاته. ليس مطلوباً من الفن أن يمحو الماضي أو أن يقدم بديلاً عن العدالة والتنمية. المطلوب أن يكون مساحة حرة تحفظ الذاكرة، وتمنح الموهبة فرصة، وتفتح أبواب العمل، وتساعد المجتمع على استعادة قدرته على اللقاء. فإعادة إعمار سوريا لا تعني أن تعود المباني إلى أماكنها فحسب، بل أن تعود إليها الحياة أيضاً. وحين تجد المواهب السورية طريقها إلى العمل والإنتاج، لا يكون الفن ترفاً يأتي بعد التعافي، بل جزءاً منه. فالاقتصاد يعيد بناء ما تحتاج إليه الحياة، والفن يساعد الحياة على أن تجد معناها من جديد.

شارك الخبر: