سياسة

القوانين ليست قديمة.. بل «ترقيعها» المستمر هو المشكلة!

syriahomenews٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:١٧ ص1 مشاهدة
القوانين ليست قديمة.. بل «ترقيعها» المستمر هو المشكلة!

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لا يعيب القوانين قدمها.. بل كثرة «الترقيع التشريعي»!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: محمد الخطيب

خلال مسيرتي الصحفية الطويلة وحضوري لمئات الاجتماعات والفعاليات، لاحظت أن معظم الأنشطة تنتهي بتوصيات متكررة، أبرزها المطالبة بتعديل القوانين. يبدو أن كل طرف يسعى لسنّ قانون يفصّل على مقاسه، وكأن القوانين أصبحت بدلات موسمية تُفصَّل حسب رغبة الزبون لا مصلحة الدولة. هذه المطالب غالباً ما تُدوّن في محاضر الجلسات دون تحفظ، لتُرسل إلى الجهات الوصائية، حيث تتراكم المطالبات بتعديل القوانين لدرجة تحتاج معها إلى قانون خاص لتنظيم أرشيفها.

المشكلة الحقيقية تكمن في عدم فهم القوانين القائمة، وليس في قدمها. فكثير من المطالبين بالتعديل لم يطّلعوا على النصوص القانونية النافذة، ولو فعلوا لاكتشفوا أن مطالبهم موجودة بالفعل. فالدولة منظمة بقوانين وأنظمة شاملة تغطي كافة شؤون الحياة، لكن البعض يتعامل مع القانون كـ «كتالوج الأجهزة الكهربائية»، لا يفتحونه إلا عند وقوع عطل.

المسائل التي يسعى البعض لمعالجتها لا تقع ضمن نطاق القوانين الأساسية. فالمطالب المتعلقة بالرواتب والتعويضات والخدمات، أو تأمين مستلزمات القطاعات المختلفة، تُعالج بمراسيم وقرارات إدارية، لا بإعادة كتابة القوانين الأساسية. بعض المؤتمرات تتعامل مع التشريع وكأنه «زر إعادة تشغيل شامل» لحل الأزمات الاقتصادية والمعيشية والإدارية.

قوة القانون تكمن في استقراره وثباته، فكثرة التعديلات تُضعف هيبته وتربك تطبيقه. قوانين العقوبات والمدني والتجاري، رغم عودتها لأصول عام 1949، ما تزال تشكل قاعدة قانونية متماسكة. القانون ليس تطبيقاً هاتفياً يُحدَّث باستمرار، ولا برنامجاً تجريبياً يخضع للتعديل مع كل مزاج إداري أو مطلب موسمي.

اللافت أن بعض التعديلات لم تكن مرتبطة بمطالب شعبية أو مهنية، بل كانت أقرب إلى «تفريخ تشريعي» لقوانين جديدة أحدثت ارتباكاً لدى رجال القانون. أصبحت كل قضية تحتاج إلى رحلة بحث طويلة بين التعديلات والاستثناءات والقوانين الخاصة المتفرعة عن القوانين العامة، حتى بات المحامي يحتاج إلى «خريطة تشريعية» أكثر من حاجته لملف الدعوى.

تطبيقاً للقاعدة القانونية «إن القانون الخاص يُقدَّم على القانون العام»، ضاقت مساحة تطبيق القوانين العامة بسبب التوسع في إصدار قوانين خاصة لكل حالة. كان يمكن معالجة المشكلة بتعديل مادة أو مواد محددة في القانون العام وتشديد العقوبة، بدلاً من إصدار قانون جديد يضيف تعقيداً وازدواجية. يبدو أن بعض الجهات تعدّ إصدار قانون جديد إنجازاً، حتى لو حوّل المكتبة القانونية إلى متاهة تشريعية.

كثرة التعديلات وتعدد القوانين الجديدة أدّيا إلى تراجع التطبيق الفعلي لبعض القوانين، وإلى تجاوز تطبيق بعضها اختصاراً للوقت والجهد، فضلاً عن الارتباك الناجم عن كثرة النصوص. نحن مع التعديلات الضرورية التي تدرسها لجان مستقلة وتقرّها سلطة تشريعية حقيقية، بما ينسجم مع مصلحة البلد ومتطلبات التطور العالمي. لكننا لسنا مع تحويل التشريع إلى استجابة فورية لمطالب محلية ضيقة أو مصالح ذاتية.

الدولة القوية لا تُدار بقوانين متبدلة كل موسم. القانون الناجح ليس الذي يُعدَّل باستمرار، بل الذي يُصاغ جيداً، ويُطبَّق بعدالة، ويحافظ على استقراره وهيبته. أما الإفراط في التعديلات، فيحوّل العدالة إلى متاهة، ويجعل المواطن والقاضي والمحامي جميعاً يبحثون عن مخرج منها.

شارك الخبر: