المسيحيون العرب والمواطنة: إعادة تعريف الانتماء في المشرق


هذا الخبر بعنوان "المسيحيون العرب وأسئلة المواطنة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: د. محمد الحوراني
لا يُعدّ طرح مسألة المسيحيين العرب في المشرق بالأمر الجديد، لكن ما يستدعي التأمل العميق هو تحوّل انتماء المواطن إلى وطنه إلى موضع شك أو تساؤل بسبب دينه، أو مطالبتُه بإثبات أصالة ولائه، وكأنه وافدٌ ينتظر الاعتراف بحقه في المكان. هنا، تتجلى المسألة في جوهر مفهوم المواطنة وطبيعة الدولة المنشودة، ومدى قدرتنا على رؤية أبناء الوطن متساوين في الحقوق والانتماء، لا مجرد جماعات تتفاوت حقوقها تبعًا لهويتها الدينية.
لطالما شكّل المسيحيون العرب جزءاً لا يتجزأ من تاريخ المشرق وثقافته وحياته العامة، وساهموا بفاعلية في تشكيل ملامح هويته العربية الحديثة. ومع ذلك، فإن استعادة هذا التاريخ، رغم أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى محاولة لإثبات حقهم في الانتماء. فالمواطنة ليست حقاً يُكتسب بحجم الإسهام الحضاري أو يُمنح كمكافأة على دور تاريخي، بل هي حق أصيل لكل مواطن، لا يتوقف على دينه أو طائفته، ولا يحتاج إلى شهادة من أحد. من هذا المنطلق، فإن السؤال الجوهري الذي يستحق الطرح ليس كيف يثبت المسيحيون العرب انتماءهم إلى المشرق، بل لماذا يحتاج هذا الانتماء إلى إثبات أصلاً؟
يكشف تاريخ المشرق عن تداخل عميق بين مكوناته الدينية والثقافية. فقد تعايشت فيه الجماعات والأديان وشاركت، بدرجات متفاوتة وفي ظروف متباينة، في بناء الحياة الاجتماعية والثقافية والفكرية. ولم يكن المسيحيون العرب بمنأى عن هذا المسار، فقد برز حضورهم بشكل لافت في النهضة العربية الحديثة من خلال الصحافة، والتعليم، والترجمة، والأدب، والفكر، وغيرها من الفنون، فضلاً عن دورهم النضالي الوطني. فمع بزوغ فجر النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر، كان المسيحيون العرب في صميم أسئلتها الكبرى. ففي المدارس والصحافة والترجمة والأدب والفكر، لمعت أسماء ساهمت في صياغة الوعي العربي الحديث، وطرحت قضايا الحرية والتقدم والتعليم والإصلاح. ولم ينظر أصحاب كثير من هذه المشاريع إلى أنفسهم كممثلين لطائفة فحسب، بل كجزء من مشروع عربي أوسع. فمن بطرس البستاني إلى فرح أنطون، ومن إبراهيم اليازجي إلى جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، ومن رفيق رزق سلوم إلى الخوري يوسف الحايك وفارس الخوري، وعشرات الأسماء الأخرى التي تركت بصمتها في النضال والصحافة والتعليم والأدب والسياسة، تبدو مساهمة المسيحيين العرب في الحياة العربية الحديثة جزءاً لا يتجزأ من التاريخ العربي، لا فصلاً منفصلاً من تاريخ طائفة بعينها أو دين دون غيره.
وهنا تكمن إحدى المشكلات المعاصرة: فحين نعيد تصنيف هؤلاء بعد قرن أو أكثر على أساس طائفي أو ديني، فإننا نختزل تجاربهم في انتماء واحد، ونحوّل مثقفاً عربياً إلى مجرد
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة