أطفال صحنايا: بين حاويات النفايات ومواجهة قسوة العيش في ريف دمشق


هذا الخبر بعنوان "طفولة في الشارع.. قسوة العيش تدفع أطفال صحنايا إلى الحاويات" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في بلدة صحنايا بريف دمشق، لم تعد حاويات القمامة مجرد أماكن لتجميع النفايات، بل أصبحت مسرحاً لأطفال يبحثون عن بقايا طعام لسد جوعهم، أو يجمعون البلاستيك والخردة والملابس المستعملة لبيعها ومساعدة أسرهم. هذه المشاهد اليومية تعكس واقعاً معيشياً قاسياً تعيشه بعض الأسر، خاصة تلك التي فقدت معيلها، مما يضطر أطفالها للبحث عن سبل العيش بدلاً من التعليم أو عيش طفولتهم الطبيعية.
رصد موقع "تلفزيون سوريا" مشاهد لأطفال داخل وحول حاويات القمامة، بعضهم يأكل من بقايا الطعام، مما يشير إلى واقع اضطرار البعض للبحث عن الطعام بين النفايات لسد الجوع، في وقت يفترض أن يكونوا فيه في بيئة آمنة يحصلون فيها على الغذاء والتعليم والرعاية الصحية.
"عمر"، طفل في الثامنة من عمره، يروي لموقع "تلفزيون سوريا" أنه لم يدخل المدرسة قط، ويعمل مع أخيه الأكبر لجمع البلاستيك والخردة والملابس المستعملة وبيعها لمساعدة أمه وأخته بعد وفاة والده. يوضح أن دخله اليومي متفاوت، يتراوح بين 50 ألف ليرة سورية لشراء الخبز والخضروات، وقد يزيد أو ينقص.
تعكس هذه الظواهر الفقر المدقع الذي تعاني منه العديد من الأسر السورية، وسط غلاء الأسعار المستمر وغياب الجهات الحكومية المعنية بحقوق الطفل والمنظمات الداعمة للأسر التي تعاني ظروفاً استثنائية.
"موائد" النفايات ومخاطرها
تتجاوز قسوة المشاهد مجرد جمع الخردة، لتصل إلى البحث عن الطعام في بقايا النفايات. المرشدة الاجتماعية ضحى شعبان تشير إلى أن هذه الظاهرة، وإن لم تكن عامة، تكشف عن حالات تستدعي المتابعة من وزارة الشؤون الاجتماعية. وتؤكد شعبان أن التعامل مع النفايات يعرض الأطفال لمخاطر صحية كالجروح من الزجاج والمعادن الحادة، أو التسمم والأمراض المنقولة بالغذاء من بقايا الطعام الملوثة. كما أن العمل المبكر يحرمهم من التعليم واللعب والتفاعل الاجتماعي، وقد يؤدي إلى سلوكيات سيئة كالتدخين المبكر وشم المواد، ويضعهم أمام مسؤوليات تفوق أعمارهم.
أزمة معيشية تزيد هشاشة الأسر
تتفاقم هذه الحالات في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية تضغط على الأسر السورية، مع ارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية ومحدودية فرص العمل. تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن ملايين السوريين يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، وارتفاع تكلفة سلة الإنفاق الدنيا، مما يعكس صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية لشرائح واسعة من السكان.
الأسر التي فقدت معيلها خلال سنوات الحرب تواجه ضغوطاً معيشية أشد، خاصة في ظل غياب مصادر دخل بديلة أو دعم كافٍ، مما يضطر الأطفال للعمل على حساب تعليمهم وسلامتهم.
خارج المدرسة وأمام تحديات كبيرة
يعكس قول "عمر": "أنا لم أدخل المدرسة" جانباً أساسياً من حياته، حيث يذهب للعمل بدلاً من التعليم. تؤكد اليونيسف أن الحرمان من التعليم وعمالة الأطفال من التحديات الرئيسية التي تواجه الأطفال في سوريا بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة. المرشدة الاجتماعية ضحى شعبان توضح أن عدم دخول المدرسة لا يقتصر على فقدان الدروس، بل يقلل من فرص الطفل المستقبلية في الحصول على عمل مستقر ودخل أفضل، مما يدخله في دائرة مفرغة من الفقر.
ترى شعبان أن معالجة وضع الطفل "عمر" تتطلب معرفة الظروف التي منعته من دخول المدرسة وتقييم مستواه وتحديد المسار المناسب له. وتسجيله في المدرسة وحده لا يكفي دون معالجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي تدفعه للعمل، ويتطلب ذلك دعم الأسرة لتخفيف العبء عنها.
هل يكفي منع الأطفال من العمل؟
تؤكد اليونيسف أهمية ربط خدمات حماية الطفل بالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية لمعالجة احتياجات الأطفال والأسر الأكثر هشاشة. وتشير المرشدة الاجتماعية إلى أن منع الأطفال من العمل في الشوارع خطوة ضرورية، لكنها ليست حلاً كافياً دون توفير بدائل للأسر لتأمين احتياجاتها. وقف عمل الطفل دون دعم مناسب قد يزيد الضغوط المعيشية ويدفعه إلى أعمال أكثر خطورة.
تتطلب معالجة هذه الحالات الجمع بين حماية الطفل ومساعدة الأسرة، بما في ذلك تقييم احتياجاتها الغذائية والمعيشية، وربطها ببرامج الدعم، وإعادة الطفل إلى التعليم أو توفير مسار تعليمي مناسب له.
ما وراء المشهد
تكشف مشاهد الأطفال قرب حاويات القمامة في صحنايا عن واقع معقد لا يمكن اختزاله بصورة واحدة. فالبحث عن الطعام أو جمع الخردة يدلان إلى الحاجة الماسة للطعام أو للعمل لتأمينه. لا تكفي المطالبة بإبعاد الأطفال عن حاويات القمامة إذا بقيت الأسر عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية. حماية الطفل تبدأ بتوفير بديل آمن له، ودعم أسرته، وضمان حقه في التعليم والرعاية.
عندما يصبح البحث عن الطعام أو جمع الخردة جزءاً من يوم طفل في الثامنة، فإن القضية لا تتعلق فقط بعمل غير مناسب لعمره، بل بمدى قدرة الجهات المعنية على الوصول إليه قبل أن يتحول الحرمان من التعليم والعمل المبكر إلى واقع يصعب تغييره.
سوريا محلي
ثقافة
سوريا محلي
سوريا محلي