اقتصاد

من الأنقاض إلى مورد اقتصادي: كيف يمكن لسوريا تحويل 50 مليون متر مكعب من الركام إلى فرص إعادة إعمار؟

enabbaladi.net٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٨ ص2 مشاهدة
من الأنقاض إلى مورد اقتصادي: كيف يمكن لسوريا تحويل 50 مليون متر مكعب من الركام إلى فرص إعادة إعمار؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أي فرصة توفرها 50 مليون متر مكعب من الأنقاض في سوريا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتجاوز الآثار الاقتصادية للحروب الدمار المادي للمباني والبنية التحتية، لتشمل تكاليف إزالة الأنقاض واسترداد الموارد. في سوريا، يمثل الركام المنتشر تحديًا عمرانيًا وبيئيًا واقتصاديًا، خاصة مع الحاجة الماسة لإعادة الإعمار ومحدودية التمويل. يطرح هذا الواقع تساؤلات حول كيفية إدارة الأنقاض والاستفادة من المواد القابلة للاسترداد منها، بهدف تخفيف أعباء الإعمار وتحويل المخلفات إلى مورد اقتصادي.

تشير تقديرات البنك الدولي الصادرة في أكتوبر 2025 إلى أن تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا قد تصل إلى حوالي 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. في ظل هذه الاحتياجات الهائلة، يصبح البحث عن وسائل لخفض التكاليف والاستفادة من الموارد المحلية أمرًا جوهريًا لجهود التعافي الاقتصادي، وفقًا للباحث الاقتصادي محمد السلوم. ويؤكد السلوم على أهمية مفهوم "الاقتصاد الدائري"، الذي يركز على استرداد المواد القابلة للاستخدام وإعادتها إلى الدورة الإنتاجية بدلاً من اعتبارها مخلفات عديمة القيمة.

وفقًا لتقديرات الجهات السورية المعنية التي أشار إليها السلوم، يبلغ حجم الركام في سوريا حوالي 50 مليون متر مكعب، مع خطط للوصول إلى سوريا خالية من الأنقاض بحلول منتصف عام 2028. وتشير البيانات المنشورة في نهاية سبتمبر 2026 إلى إزالة حوالي ثلاثة ملايين متر مكعب خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام.

يُوضح عضو جمعية العلوم الاقتصادية محمد بكر أن إزالة الأنقاض بالطرق التقليدية تفرض أعباءً اقتصادية وبيئية كبيرة، تشمل تكاليف الهدم والترحيل وتخصيص مواقع للتخلص من المخلفات، بالإضافة إلى التلوث الناجم عن عوادم الآليات. وأشار بكر إلى أن تكلفة الإزالة والنقل تختلف حسب المسافة، معتبرًا أن الفرز وإعادة التدوير يمكن أن يحول هذه المخلفات من عبء مالي إلى مورد اقتصادي، حيث يمكن الاستفادة من أكثر من 90% من كتل الأبنية المدمرة.

لا يقتصر التحدي الاقتصادي على إزالة الأنقاض فحسب، بل يمتد إلى تنفيذ العملية بأقل تكلفة ممكنة مع استرداد المواد القابلة للاستخدام وتوظيفها في مشروعات إعادة الإعمار. تحتوي الأنقاض على مواد قيمة مثل الحديد والمعادن والخرسانة والطوب والحجر. يمكن تحويل الخرسانة النظيفة، بعد التكسير والفرز، إلى حصويات لاستخدامها في أعمال الطرق والردم، بينما يمكن فصل المعادن وبيعها لمصانع الصهر.

يؤكد السلوم أن ربط عمليات إزالة الأنقاض بمشروعات إعادة الإعمار يمثل فرصة هامة. فإعادة استخدام المواد المستخرجة في تأهيل الطرق وتسوية الأراضي وأعمال البنية التحتية يقلل الحاجة إلى مواد أولية جديدة، ويخفض تكاليف النقل والتوريد، ويحد من الضغط على الموارد الطبيعية. ومع ذلك، لا يمكن للمواد المعاد تدويرها أن تحل محل المواد الجديدة في جميع الاستخدامات الإنشائية دون اختبارات صارمة. لذا، فإن توجيه المواد المستردة للاستخدامات المناسبة يتيح إنشاء سلسلة إنتاج محلية تربط إدارة الأنقاض بتوفير مدخلات إعادة الإعمار.

تتجاوز الفوائد المحتملة قطاع البناء لتشمل أنشطة اقتصادية أخرى مثل النقل، وتشغيل الكسارات، وصيانة الآليات، والفرز الصناعي، وتجارة المعادن، والفحوص المخبرية، وتصنيع منتجات البناء. وهذا يفتح المجال أمام فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ويمنح المنشآت المحلية فرصة للمشاركة في التعافي.

من ناحية أخرى، يجب أن يأخذ تقدير الأثر الاقتصادي في الاعتبار حجم النشاط الفعلي، ومستوى الأتمتة، وطبيعة الاستثمارات، ونسبة القيمة المضافة المحلية. نجاح هذا القطاع يتطلب وجود طلب تجاري مستدام على المواد المعاد تدويرها وقدرتها على منافسة المواد التقليدية.

يشير بكر إلى أن وضع خطة متكاملة لإزالة الأنقاض وفرزها وإعادة تدويرها يمكن أن يحول العملية إلى نشاط اقتصادي جاذب للاستثمارات ويوفر فرص عمل متنوعة.

التحديات ونماذج التمويل:

يواجه تحويل الأنقاض إلى مورد اقتصادي تحديات مثل ارتفاع تكاليف الوقود والنقل، وضعف التمويل، وتقلب أسعار مواد البناء، ومحدودية القدرة الشرائية. قد تحتوي بعض المواقع على مخلفات ملوثة تتطلب إجراءات فصل آمنة.

يقترح السلوم إنشاء منظومة لامركزية لمعالجة الركام، تتضمن محطات فرز وتكسير قريبة من مواقع الهدم لتقليل تكاليف النقل. ويرى بكر أن القطاع الخاص يمكن أن يلعب دورًا أساسيًا في هذا المجال، مقترحًا نماذج شراكة مع شركات التطوير العقاري. النموذج المقترح يشمل تجهيز مواقع العمل بآليات المعالجة، واستخراج المواد القيمة مثل المعادن، واستخدام المواد الناتجة في إنتاج مواد البناء.

يدعو السلوم إلى تطوير نماذج شراكة واضحة بين الجهات العامة والمستثمرين، مع توزيع المخاطر والعوائد. ويشدد على أهمية وضع قواعد شفافة للتسعير والرقابة، ودعم الطلب على المواد المعاد تدويرها من خلال استخدامها في المشروعات العامة، مع إجراء فحوصات مخبرية مستقلة لضمان الجودة.

التشريعات وحقوق الملكية:

يؤكد السلوم على ضرورة مراجعة التشريعات الناظمة لإدارة الأنقاض والملكيات العقارية، وتوفير حوافز ضريبية وجمركية للمعدات اللازمة، وتخصيص مواقع مناسبة للمعالجة. يجب ربط هذه الحوافز بمؤشرات أداء قابلة للقياس.

يجب ألا يؤدي تسريع إزالة الأنقاض إلى المساس بحقوق المالكين، مع ضرورة إخضاع استخدام الأراضي ومواقع تجميع الأنقاض لإجراءات قانونية واضحة. في الختام، لا تعد إعادة تدوير الأنقاض بديلاً عن التمويل الكبير المطلوب لإعادة الإعمار، لكنها تمثل مسارًا عمليًا لخفض التكاليف، وتعزيز الاعتماد على الموارد المحلية، وتوليد قيمة مضافة.

خطة لإزالة ثمانية ملايين متر مكعب حتى نهاية 2027:

رحّلت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث حوالي 3.5 مليون متر مكعب من الأنقاض في سوريا، من أصل نحو 40 مليون متر مكعب، وتستهدف إزالة أكثر من ثمانية ملايين متر مكعب حتى نهاية عام 2027. بلغت نسبة الأنقاض التي أُزيلت من الطرق الرئيسة والمرافق العامة حوالي 43% مقارنة بالأنقاض داخل الأحياء السكنية.

تتراوح تكلفة إزالة الأنقاض وترحيلها بين 2.5 وستة دولارات للمتر المكعب الواحد، وتتأثر هذه التكلفة بعوامل متعددة مثل نوع الآليات، وتوفر الوقود، والمسافة بين مواقع الأنقاض والمكبات.

شارك الخبر: