سياسة

من صراعات الماضي إلى شراكة المستقبل: رؤية الرئيس الشرع لعلاقات دمشق وبغداد

جريدة الوطن٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٣ ص2 مشاهدة
من صراعات الماضي إلى شراكة المستقبل: رؤية الرئيس الشرع لعلاقات دمشق وبغداد

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من إرث الصراعات إلى شراكة المصالح.. قراءة في رؤية الرئيس الشرع لعلاقة دمشق وبغداد" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تكتسب زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق ولقاؤه الرئيس أحمد الشرع أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية. تأتي هذه الزيارة في ضوء الرؤية التي طرحها الرئيس الشرع في مقابلته مع قناة دجلة العراقية، والتي رسمت ملامح تصور سوري لعلاقة مع بغداد تقوم على التعاون والمصالح المتشابكة، لا على الأمزجة السياسية المتبدلة. تهدف هذه الرؤية إلى تحويل الروابط التاريخية والجغرافية إلى شراكة استراتيجية قادرة على حماية استقرار البلدين واستعادة قرارهما المستقل.

تأتي الزيارة في توقيت تبدو فيه الحاجة ملحة لإعادة ترتيب علاقات المنطقة على أسس مختلفة، بعدما استنزفت الحروب والانقسامات والصراعات الداخلية والإقليمية قدرات شعوبها وأضعفت مؤسسات دولها. وفي هذا السياق، تبدو مقابلة الرئيس الشرع أقرب إلى خريطة طريق معلنة تُقدم إلى الرأي العام العراقي قبل أن تُناقش على طاولة المباحثات.

تنطلق دمشق من قناعتها بأن تحسين العلاقات مع بغداد واستقرار البلدين يشكلان شرطاً أساسياً لاستعادة التوازن الإقليمي، وأن أي مقاربة تتجاهل المصالح المتبادلة ستبقى رهينة التجاذبات السياسية. وتقدم تصريحات الرئيس الشرع تصوراً واضحاً لطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع سوريا والعراق؛ فامتدادات العشائر والأنساب، وتشابك الموارد المائية والزراعية، والموقع الجغرافي، كلها عوامل تجعل من البلدين أكثر ترابطاً مما قد توحي به الخلافات السياسية العابرة.

تبرز أهمية هذا التصور في رفض تحويل الاختلافات إلى شرط مسبق للتعاون. فبدلاً من انتظار تسوية جميع الملفات العالقة، يدعو الرئيس الشرع إلى البدء بالمشتركات، وتأسيس قواعد ثابتة للعلاقة، ما يسمح بمعالجة المخاوف والخلافات بالتوازي مع بناء المصالح. وهي مقاربة تعكس إدراكاً بأن استمرار تعطيل التعاون لا يخدم سوى القوى التي تستفيد من بقاء المنطقة في حالة انقسام.

تتقدم المشاريع الاقتصادية في الرؤية السورية بوصفها ركيزة أساسية لاستدامة العلاقات، وفي مقدمتها الربط النفطي بين العراق وموانئ البحر المتوسط عبر سوريا. فإعادة تأهيل خطوط النفط إلى بانياس، وتطوير البنية التحتية والمصافي، لا تمثل مجرد مشاريع استثمارية، بل تمثل تحولاً في طبيعة العلاقة بين البلدين، من التعاون الظرفي إلى المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد. وتعزز حركة النقل والتجارة المتنامية هذا الاتجاه، حيث تشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن الجغرافيا السورية يمكن أن تستعيد دورها ممراً تجارياً إقليمياً، ما يحقق منفعة متبادلة ويعيد وصل العراق بالبحر المتوسط.

في المقابل، يظل التعاون الاقتصادي مرتبطاً بوجود بيئة أمنية مستقرة، وهو ما أكدته تصريحات الرئيس الشرع بشأن التنسيق الأمني بين دمشق وبغداد، وحماية الحدود ومكافحة التهريب والتنظيمات المتطرفة. كما أن تأكيده دعم توجه رئيس الوزراء العراقي نحو مكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، يعكس تقاطعاً في الرؤية بشأن ضرورة بناء مؤسسات قوية تحتكر القرار الأمني والعسكري.

تحمل هذه الرسالة دلالة سياسية مهمة، مفادها أن استقرار العراق لا يتحقق بتعدد مراكز القوة، وأن قرار السلم والحرب يجب أن يبقى ضمن مؤسسات الدولة، ما يعزز سيادتها ويمنحها القدرة على حماية مصالحها.

وتشكل زيارة الزيدي إلى دمشق فرصة لترجمة هذه الرؤية إلى خطوات عملية، تبدأ بتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني، وتمتد إلى تسهيل حركة الأفراد ومعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها ملف المعتقلين السوريين في العراق. فالتحدي الحقيقي أمام دمشق وبغداد لا يكمن في إعلان الرغبة في بناء علاقات جيدة، بل في تحويل هذه الرغبة إلى مؤسسات واتفاقات ومشاريع مستدامة، تحمي العلاقة من تقلبات السياسة، واستعادة الاستقرار والقرار المستقل.

شارك الخبر: