سياسة

الإعلام السوري المستقل: رحلة بين ضغوط السلطة والممول والجمهور

syriahomenews٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٤٤ ص1 مشاهدة
الإعلام السوري المستقل: رحلة بين ضغوط السلطة والممول والجمهور

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الإعلام المستقل في سورية: بين ضغوط السلطة والمموّل والجمهور" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: د. زيدون الزعبي

لم يكن الحوار الذي جمعني بعدد من الإعلاميين والإعلاميات السوريين على هامش “ملتقى مستقبل الإعلام العربي” في عمّان حواراً عابراً، بل فتح مستوى عميقاً في طبقات الإعلام السوري. فبعد أن كانت البداية عن الإعلام في سورية اليوم، وعن مستوى الحريات فيه، وعن دوره الجوهري في المرحلة الانتقالية، عدنا إلى سؤال لا يقل جوهرية: هل لدينا اليوم في سورية إعلام مستقل؟

غير أن الإجابة، أو الإجابات، بدت وكأنها تخرج من سرديات الشياطين والملائكة، حيث تنتهي كثير من نقاشاتنا: خنادق السرديات والمطلقات. فما يغلب على كثير من نقاشاتنا تصنيف الإعلام في خندقين: من يرى أن الإعلام الذي وُلد مع الثورة مستقل بحكم ولادته، وأن ما سواه أبواق، ومن يرى أن هذا الإعلام نفسه، الممول من الخارج، ليس إلا أداة في يد مموليه. وبين الخندقين، كنا نتلمس طريقاً ثالثاً للإعلام: الإعلام الإنساني-الوطني في مقابل سردية الإعلام الملائكي-الشيطاني.

تذكّرت وأنا أستمع وثيقة قصيرة صاغها عاملون وعاملات فيما يعرف بالإعلام البديل، والتي تقترح تعريفاً لـ”الإعلام السوري المستقل” يشترط “الاستقلال الذاتي الكامل” عن أي سلطة سياسية، محلية أو وطنية أو إقليمية أو دولية، و”التحرّر من تدخل المانحين أو المعلنين أو الممولين”، و”الرفض المستمر” للخضوع لأي ضغط. لهذا التعريف منطقه عند أصحابه، فالإعلام البديل الذي وُلد بعد 2011 وثّق الانتهاكات تحت القصف، وأعطى صوتاً لمن لم يكن له صوت، ومن الطبيعي أن يحمل تعريفه لنفسه شيئاً من المثال الذي حلم به وهو يعمل في ظروف شديدة القسوة. لكن هل يوجد في العالم إعلام بهذا التعريف أصلاً؟

أزعم أن هذا النوع من التعريفات، على حسن نية أصحابه، يغذي من حيث لا يقصد سردية الملائكة والشياطين. فحين يكون الاستقلال نقاءً كاملاً، لا يبقى أمامنا إلا أن نمنحه لمن نحب وننزعه عمن نكره. وهكذا تحول الاستقلال من صفة مهنية تُقاس إلى شهادة هوية تُمنح، أو تُنتزع، بحسب الموقف السياسي. الإعلام الإنساني يصنعه بشر، ويعمل وسط بشر، ويخضع لما يخضع له البشر من ضغوط ومصالح وأهواء. وثمة ثلاث قوى على الأقل تؤثر في المحتوى، شئنا أم أبينا: الممول، والسلطة، والجمهور.

لنبدأ بالمموّل. يفترض كثيرون أن الحل يكمن في المال العام، أو في الإعلان. غير أن الاعتماد على المال العام شبه مستحيل في العالم كله، فما بالك ببلد مفقر مثل سورية، يحتاج كل ليرة فيه لإعادة بناء مدرسة أو مستشفى أو شبكة كهرباء. أما الإعلان، فلا يمكن أن يغطي احتياجات مؤسسة إعلامية جادة، وخصوصاً في سوق إعلانية صغيرة، بل وربما منعدمة، ومنهكة كالسوق السورية. ماذا يبقى إذاً؟ يبقى المانحون، ولكل مانح أولوياته، ولكل برنامج تمويل أهدافه. ليس في هذا ما يعيب، لكن ادعاء “التحرر من تدخل المانحين والممولين” تحرراً كاملاً ادعاء لا يصمد أمام أول مقترح مشروع يُكتب على مقاس دليل الممول.

ثم السلطة. التعامل مع السلطات وكأنها غير قادرة على التأثير في السياسة التحريرية شبه مستحيل. فالموظفون الحكوميون بشر أيضاً، لهم أهواؤهم وحساسياتهم، ولديهم سلطة وقوة: الترخيص، وتصاريح العمل، والوصول إلى المعلومة، وإمكانية التضييق، بل ومكالمة هاتفية واحدة أحياناً. هذا صحيح في دمشق، وربما صحيح بدرجات متفاوتة في عواصم الديمقراطيات العريقة. والسؤال الواقعي ليس هل تؤثر السلطة، بل كم تؤثر، وكيف، وهل يعرف القراء بذلك؟

ثم الجمهور، وهو الضغط الذي يغيب عن الوثيقة تماماً. فالضغط الأشد على الإعلام السوري اليوم قد لا يأتي من الأعلى، بل من تحت: من جمهور مستقطب طائفياً ومناطقياً، ومن حملات التخوين على وسائل التواصل، ومن “الترند” الذي يكافئ من يقول للناس ما يريدون سماعه ويعاقب من يخالفهم. والقوي ليس دائماً السلطة، فقد يكون الجمهور الغاضب أيضاً. هل يعني هذا أن الاستقلال وهم، وأن كل الإعلام تابع بالقدر نفسه؟ بالطبع لا. ربما كان من المستحيل أن يكون الإعلام كامل الاستقلال، لكن ثمة فرقاً هائلاً بين إعلام يتمتع بقدر كبير من الحرية والاستقلال، وإعلام غارق في التبعية حتى أذنيه. بكلام آخر، الاستقلال ليس صفة تُمنح، بل درجة تُقاس. وإعلام الأسد لم يكن تابعاً لأنه تعرض لضغوط، فكل إعلام يتعرّض لها، بل لأنه لم يكن يملك إزاءها أي هامش على الإطلاق.

يكمن الاستقلال في سياسة تحريرية معلنة وشفافة: أن تقول المؤسسة لجمهورها بوضوح هذا ما نغطيه وهذا ما لا نغطيه، هذه مصادر تمويلنا، وهذه قواعدنا في التعامل مع تضارب المصالح، وهكذا نصحح أخطاءنا. ثم في حفظ التوازن بين جميع الأطراف المؤثرة في المحتوى: الجمهور، والسلطة، والممول. فالإعلام الذي لا يرضي إلا السلطة يصبح ناطقاً باسمها، والذي لا يرضي إلا الممول يصبح تقرير مشروع، والذي لا يرضي إلا الجمهور يصبح صدى للترند. أما الاستقلال، فهو ألا يستسلم الإعلام لأي من هذه القوى، وأن يبقى يمشي على الحبل المشدود بينها جميعاً.

وماذا عن “الوطني”؟ لا أعني به الإعلام الرسمي قطعاً، ولا الإعلام الذي يرفع الأعلام ويخوّن المخالفين قطعاً، بل إعلام يجعل مصلحة المجتمع والبلد بوصلته، ويعي الدور الذي بدأنا به حوار عمّان. فالإعلام المستقل، بهذا المعنى النسبي لا المثالي، ربما كان اليوم السلطة الأقوى في سورية بعد السلطة التنفيذية. فالسلطة القضائية ما تزال ضعيفة، مثقلة بإرث عقود من التبعية والفساد والإفساد، ولم يكتمل إصلاحها بعد. والسلطة التشريعية حديثة العهد، تركز جهدها على التشريع لا الرقابة، وهو عمل وإن كان ضرورياً في مرحلة انتقالية، لكنه يأتي على حساب دورها الرقابي. وفي غياب رقابة قضائية فاعلة ورقابة برلمانية حقيقية، يبقى الإعلام، على محدوديته، من الأدوات القليلة التي تراقب أداء السلطة التنفيذية، وتنقل شكاوى الناس، وتكشف الخطأ قبل أن يتحول إلى كارثة.

المشكلة ليست هنا. المشكلة أننا نفكر في جميع قضايانا على قاعدة صفرية: كل ما يربحه الآخر خسارة لي، وكل ما أقوم به يجب أن يكون خسارة له، حتى لو كانت خسارتي أنا كارثية. فيرى بعض الإعلاميين أن أي مكسب للسلطة من حرية الإعلام هزيمة لهم، وترى بعض أوساط السلطة أن كل نقد يُنشر هزيمة لها، ويرى بعض الجمهور في كل رأي مخالف عدواناً عليه، ويخشى بعض الممولين أن يخسروا نفوذهم إن لم يروا أولوياتهم على الشاشة. لقد حكمنا منطق خاسر-خاسر على مدى عقود: سلطة كممت الأفواه فخسرت ثقة الناس ولم تعد تعرف ما يجري في بلدها، وإعلام لم يكن أمامه إلا التطبيل أو المنفى، وجمهور خسر الحقيقة فصار نهباً للشائعة، وممولون أنفقوا على منابر كثيراً ما رآها الناس أدوات فلم يصدقوها. وآن الأوان أن يحكمنا منطق غير صفري، منطق رابح-رابح، معياره مصلحة المجتمع والبلد. فالسلطة تكسب من الإعلام المستقل إنذاراً مبكراً بالأخطاء قبل أن تتفاقم، وشرعية لا تصنعها البيانات الرسمية، وصورة بلد يتسع للنقد. والإعلام يكسب مساحة ودوراً، والأهم ثقة جمهوره، وهي رأسماله الحقيقي. والجمهور يكسب الحقيقة، وصوتاً يصل إلى من يقرّر، ومنبراً يتسع لاختلافه من دون أن يتحوّل الاختلاف إلى تخوين. أما الممول، فيكسب ما لا يستطيع أن يشتريه: أثراً حقيقياً لما يدعمه. فالإعلام الذي يُرى تابعاً لممول لا يصدقه أحد، وأمواله تذهب هدراً، في حين أن الإعلام المستقل عنه وحده القادر على أن يحقق ربما ما موّله من أجله. من هنا، يصلح “الاستقلال الكامل” الذي تتحدث عنه الوثيقة أفقاً نسعى إليه، لا امتحان قبول يرسب فيه الجميع، ولا خطاً يفصل الملائكة عن الشياطين. لو عدنا إلى طاولة عمّان، لقلت للزملاء والزميلات إن الطريق الثالث الذي كنا نتلمسه ليس منطقة رمادية بين الخندقين، بل خروج منهما: إعلام إنساني يعترف بالضغوط التي يعمل تحتها ويعلنها، ووطني يجعل مصلحة البلد، لا رضا السلطة أو الممول أو الجمهور، معياره الأخير. وعليه، ربما آن لنا أن نكف عن السؤال “هل هذا الإعلام مستقل؟”، وأن نسأل بدلاً منه: إلى أي حد هو مستقل؟ وعن مَن؟ وهل يخبرنا بذلك؟ فلا ملائكة في الإعلام ولا شياطين، بل بشر تحت الضغط، بعضهم يقاوم ويعلن، وبعضهم يستسلم ويخفي. والفرق بين الاثنين هو كل ما نملكه. (أخبار سوريا الوطن-العربي الجديد)

شارك الخبر: