سياسة

ضربات درعا الأردنية: قرار متسرع يهدد أمن البلدين ويخترق السيادة السورية

حرية برس٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٥١ م3 مشاهدة
ضربات درعا الأردنية: قرار متسرع يهدد أمن البلدين ويخترق السيادة السورية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ضربات درعا.. قرار متعجل يضر بأمن الأردن وسوريا" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تشهد سوريا تحديات مستمرة في بناء بلدها ومواجهة الصعاب، وكان آخرها الهجمات الجوية التي شنها سلاح الجو الأردني على ريف درعا، بذريعة استهداف مواقع لمجموعات إرهابية، مما أسفر عن استشهاد مدنيين أبرياء. هذه الحادثة، التي تمثل فاجعة إنسانية، شكلت اختباراً خطيراً للعلاقات السورية الأردنية، وصدمة للشعب السوري الذي كان ينظر إلى الأردن كملجأ آمن وشريك موثوق في الأمن والاستقرار بعد التحرير وسقوط النظام السابق.

تتطلب تداعيات هذه الضربة الجوية الأردنية قراءة متأنية في سياقها الأمني والسياسي والقانوني. فالعملية لا تمثل خرقاً للسيادة السورية فحسب، بل تكشف عن بنية قرار متعجل، ربما تشكلت دوافعه تحت ضغط داخلي أردني ومعلومات غير دقيقة، مع احتمال سعي جهات لتوتير العلاقات السورية الأردنية.

تكشف القراءة الأمنية أن القرار الأردني، الذي يفترض أنه استند إلى معلومات استخبارية قابلة للتشويه، ربما بُني على معلومة مغرضة استغلت حاجة صانع القرار لرد فعل عاجل. تبنى الأردن الضربات علناً قبل التحقق من نتائجها، مما يوحي بحضور البعد الإعلامي الداخلي بقوة في توقيت الإعلان.

من الناحية الإجرائية، يبدو الفاصل الزمني بين القبض على منفذي هجوم الكرك صباح يوم الإثنين وتنفيذ الضربات في سوريا مساءً قصيراً جداً، مقارنة بالوقت اللازم لتدقيق المعلومات ومقاطعتها بمصادر موثوقة لاتخاذ قرار سيادي خطير. إن قصف دولة مجاورة يتطلب تقديرًا مكتملًا للتهديد، وتشاورًا سياسيًا، وتحضيرًا عملياتيًا، وهي مراحل يصعب استكمالها في ساعات قليلة، مما يجعل القرار مبنيًا على تقدير غير ناضج.

يضاف إلى ذلك غياب التنسيق مع الجانب السوري وإبلاغه عبر القنوات القائمة لمعالجة المعلومات والتهديدات داخليًا، أو على الأقل تنسيق التحرك الميداني. هذه الطريقة في إدارة القرار تحمل مؤشرات خلل إجرائي، وتطرح أسئلة حول سبب الاستعجال، والجهة التي قدمت المعلومة، ومدى دقتها، والمسؤولية عن الأساس غير الصلب الذي بُنيت عليه الضربات.

إن استسهال قصف العمق السوري لامتصاص غضب داخلي هو تكتيك قاصر يضر بأمن البلدين والاستقرار في المنطقة، ويهدم جسور الثقة التي بُنيت بجهد كبير.

على الصعيد القانوني، لا تُدار حماية الأمن القومي باستنساخ الانتهاكات أو قصف الدول المجاورة. فالقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة تضع محددات صارمة تحظر أي تحرك عسكري استباقي خارج الحدود دون موافقة صريحة وتنسيق مسبق. أكدت وزارة الخارجية السورية وغياب التنسيق المسبق، مما يجعل هذه الهجمات خرقاً مرفوضاً لأسس الاستقرار السياسي والسيادة المتكافئة.

حتى لو سلّمنا بوجود تهديدات، فإن مواجهتها داخل أراضي دولة أخرى تتطلب إما موافقة تلك الدولة أو تفويضًا دوليًا. يضيف القانون الدولي الإنساني طبقة أخرى من الحماية من خلال مبادئ التمييز بين المقاتلين والمدنيين، والتناسب في استخدام القوة، والاحتياطات اللازمة لتجنب إيذاء المدنيين. سقوط نساء وأطفال في ريف درعا يشير إلى عدم احترام هذه المبادئ، مما يجعل هذه الضربات تجاوزًا خطيرًا للأعراف الدولية.

على الصعيد السياسي، يعبر الغضب السوري الرسمي والشعبي عن خشية مبررة من أن تصبح هذه الردود العسكرية العشوائية وسيلة لتصدير الأزمات الداخلية. يدين السوريون الإرهاب الذي ضرب الكرك، لكنهم لا يقبلون تحويل التعاطف مع ضحايا الأردن إلى دماء سورية. الموقف السوري مبني على أساس سيادي وأخلاقي، يدين الأعمال الإرهابية التي تستهدف أمن الجوار الإقليمي، بما في ذلك الهجوم على الكنيسة في الكرك.

هذا الاعتداء لا يمنح أي طرف مسوغًا قانونيًا أو ذريعة لتجاوز الحدود والقيام بعمليات عسكرية تزهق أرواح مدنيين أبرياء. فالسلطات السورية قادرة على التحرك بمفردها أو بالتنسيق مع الطرف الأردني لمواجهة التهديدات، وهو تنسيق مجرب سابقًا وحقق نتائج إيجابية في مجالات أخرى.

تشكل هذه الضربات وما خلفته من ضحايا مدنيين خطرًا جديًا على العلاقات السورية الأردنية، التي شكلت بعد تحرير سوريا من نظام الأسد مثالاً ناجحاً للعمل العربي المشترك. بيان وزارة الخارجية السورية أدان بشدة الخرق الصريح لمبادئ حسن الجوار والسيادة السورية، وأظهر حرص القيادة السورية على قراءة ناضجة للحدث، مشيرة إلى خطر سعي أطراف مشبوهة لتعكير صفو العلاقات الأخوية بين البلدين.

إدانة السلطات السورية لهذه الهجمات والمطالبة بفتح تحقيق، والالتزام بآليات التنسيق المشترك، هو تفعيل للأدوات السيادية القانونية، ولا يعني الانزلاق إلى التحريض أو قطع الجسور مع المملكة الأردنية. تدرك سوريا أهمية التعاون مع الأردن لضمان الأمن الإقليمي واستقرار البلدين، والحفاظ على العلاقة بين الشعبين.

شارك الخبر: