سوريا تقترب من تسوية ديونها الخارجية: هل يفتح الباب لتمويل إعادة الإعمار؟


هذا الخبر بعنوان "سوريا تقترب من تسوية ديونها الخارجية.. هل تفتح الخطوة باب التمويل لمشاريع إعادة الإعمار؟" نشر أولاً على موقع Alsoury Net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجه الحكومة السورية بخطوات جادة نحو معالجة ملف الديون والمتأخرات المالية المتراكمة على البلاد، في مسعى يهدف إلى تعزيز قدرة الاقتصاد على التعافي واستعادة نسج علاقات التعاون مع المؤسسات التنموية الدولية. لا يقتصر هذا الملف على مجرد سداد المبالغ المستحقة، بل يتضمن أيضاً إعادة هيكلة الالتزامات القديمة وتهيئة البيئة المناسبة لتمويل مشاريع حيوية تحتاج إليها القطاعات الأساسية في سوريا. في هذا الإطار، أعلن وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، في 17 تشرين الأول الحالي، عن تحقيق تقدم ملموس في مسار تسوية الديون والمتأخرات المستحقة للدول الدائنة والمؤسسات متعددة الأطراف. جاء هذا الإعلان خلال مشاركته في الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي عقدت في العاصمة التايلندية بانكوك.
وأوضح برنية أن الحكومة تعمل بالتعاون الوثيق مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على إجراء تحليل شامل لاستدامة الدين، بهدف تحديد حجم الالتزامات المالية وقدرة البلاد على تحملها. وأشار إلى أن دمشق تعتزم نشر تفاصيل الديون القائمة والمتأخرات في وقت لاحق. وأكد الوزير أن ملف المتأخرات يسير بخطى ثابتة نحو الحل، لافتاً إلى أن الحكومة تدرس حالياً إمكانية تحويل جزء من هذه الديون إلى استثمارات داخل سوريا، بما يدعم المشاريع التنموية ويخفف الأعباء على الموازنة العامة.
تُظهر البيانات المتاحة حجم التحدي الذي تواجهه المالية العامة السورية. فوفقاً لبيانات مصرف سوريا المركزي حتى نهاية عام 2024، بلغ الدين الخارجي حوالي 22.3 مليار دولار، مقابل ناتج محلي إجمالي قُدّر بنحو 21.4 مليار دولار خلال العام نفسه. هذا يعني أن حجم الدين يعادل تقريباً 104% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن الرقم الأكثر أهمية يتمثل في المتأخرات، وهي الأقساط والفوائد التي حل موعد دفعها ولم يتم سدادها. ووفق تقديرات الخبير الاقتصادي والمصرفي محمود عبد الكريم، تصل هذه المتأخرات إلى حوالي 20.9 مليار دولار، أي ما يقارب 94% من إجمالي الدين الخارجي.
ويعود تراكم جزء كبير من هذه الالتزامات إلى سنوات الحرب، حيث توقفت سوريا عن سداد عدد من الديون المستحقة منذ عام 2011، في ظل العقوبات والظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها البلاد. وتشير التقديرات نفسها إلى أن حوالي 17 مليار دولار من المتأخرات ترتبط بإيران، بينما يتوزع الجزء المتبقي على جهات ودول ومؤسسات مختلفة، من بينها مؤسسات تنموية عربية ودولية. وتضم قائمة الجهات الدائنة بنك الاستثمار الأوروبي، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، والبنك الإسلامي للتنمية، والوكالة اليابانية للتعاون الدولي، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية. ولا تزال الأرقام التفصيلية المستحقة لكل جهة غير منشورة رسمياً، كما لا تتوفر حصيلة معلنة لفوائد التأخير المتراكمة، مما يجعل تحديد القيمة النهائية للالتزامات أمراً يتطلب مراجعة دقيقة للحسابات والاتفاقيات مع كل دائن.
تعود صعوبة حصر الديون إلى عدة أسباب، أبرزها توقف سوريا عن تزويد البنك الدولي ببيانات الديون منذ عام 2010. إضافة إلى ذلك، فإن الالتزامات موزعة على عملات مختلفة، مثل اليورو والدينار الكويتي والين الياباني، مما يؤدي إلى تغير قيمتها عند احتسابها بالدولار. كما تختلف شروط السداد والفوائد من اتفاقية إلى أخرى، وقد تترتب على الأقساط المتأخرة فوائد إضافية تزيد من حجم المبالغ المطلوبة. ويبرز بنك الاستثمار الأوروبي ضمن الحالات التي تتوفر عنها بعض التفاصيل؛ إذ تشير المعلومات التي نقلها الخبير الاقتصادي إلى أن إجمالي التمويلات التي قدمها البنك لمشاريع في سوريا منذ عام 1978 يقترب من 1.4 مليار يورو، لكن هذا الرقم لا يمثل كامل الدين المستحق حالياً، لأن جزءاً من التمويلات سُدد قبل الحرب. ومن بين المبالغ التي صدرت بشأنها أحكام قضائية أوروبية، حوالي 143 مليون يورو و5.4 ملايين فرنك سويسري، مرتبطة بقرضين لقطاع الكهرباء، مع استمرار احتساب فوائد التأخير حتى السداد.
تواجه الحكومة السورية عدة خيارات للتعامل مع هذا الملف المعقد. ويبدو أن المسار المطروح حالياً يعتمد على التفاوض مع كل جهة دائنة وفقاً لطبيعة الاتفاقيات القائمة. أحد أبرز الخيارات هو إعادة جدولة الديون، أي تمديد فترة السداد وتوزيع الأقساط على سنوات أطول، بما يخفف الضغط على الموازنة ويمنح الاقتصاد فرصة لتوجيه الموارد نحو الخدمات والمشاريع الأساسية. أما الخيار الثاني فيتمثل في تحويل جزء من الالتزامات المالية إلى استثمارات داخل سوريا. ويتيح هذا المسار، في حال التوصل إلى اتفاقات مناسبة، ربط تسوية الديون بتنفيذ مشاريع إنتاجية أو خدمية تسهم في دعم النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل.
في المقابل، يبقى شطب جزء من أصل الدين خياراً أكثر صعوبة، خصوصاً لدى المؤسسات المالية الدولية التي تخضع لقواعد محاسبية وائتمانية تحد من قدرتها على التنازل عن المبالغ المستحقة. لذلك، تتركز المفاوضات غالباً على تخفيض فوائد التأخير والغرامات، ومنح فترات سماح أطول، وإعادة تنظيم مواعيد السداد. وكان البنك الدولي قد أعلن في أيار 2025 أن السعودية وقطر سددتا المتأخرات المستحقة على سوريا لديه، والبالغة 15.5 مليون دولار، ما أتاح إزالة أحد العوائق أمام استئناف التعامل المالي مع المؤسسة.
إن إجراء تحليل استدامة الدين بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي فتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل التمويل الخارجي، وما إذا كانت سوريا تتجه إلى الحصول على قروض جديدة لتمويل مشاريع إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. لكن وزير المالية سبق أن أكد في حزيران 2025 أن الحكومة لا تعتزم الاقتراض من صندوق النقد أو البنك الدولي في المرحلة التي تحدث خلالها، موضحاً أن أي قرار مستقبلي بهذا الشأن سيُعلن بشفافية، وأن التمويل المحتمل سيُخصص لمشاريع استراتيجية لا تستطيع الاستثمارات الخاصة تغطيتها بالكامل.
وفي تصريحاته الأخيرة، شدد برنية على أن الحكومة لا تريد تحميل الأجيال المقبلة أعباء ديون جديدة، وأن الاقتراض، إذا جرى اللجوء إليه، ينبغي أن يكون ميسراً ومرتبطاً بمشاريع واضحة، لا مجرد زيادة في الالتزامات المالية. وبين تسوية الديون القديمة وفتح المجال أمام التمويل التنموي، تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الحكومة على الوصول إلى اتفاقات عملية مع الدائنين، ونشر بيانات مالية واضحة، وتحديد حجم الالتزامات التي يستطيع الاقتصاد السوري تحملها. فنجاح هذه الخطوات لن يقتصر أثره على الحسابات المالية، بل قد ينعكس على فرص تنفيذ مشاريع الكهرباء والبنية التحتية والخدمات، وهي قطاعات يحتاج تعافيها إلى تمويل مستقر وإدارة حذرة للموارد.
اقتصاد
سياسة
اقتصاد
اقتصاد