تنظيم العمولات المصرفية في سوريا: خطوة نحو استعادة الثقة المفقودة


هذا الخبر بعنوان "ضبط العمولات المصرفية.. خطوة نحو استعادة الثقة" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في إطار الجهود التنظيمية لضبط تسعير الخدمات المصرفية وتعزيز الشفافية في العلاقة بين المصارف والمتعاملين، أصدر مصرف سوريا المركزي القرار رقم /748/ لعام 2026، الذي يهدف إلى تنظيم العمولات والرسوم المصرفية. يثير هذا القرار تساؤلات حول قدرته على معالجة اختلالات العلاقة بين القطاع المصرفي والمجتمع، وانعكاساته على ثقة المتعاملين وتكاليف الخدمات المصرفية.
ويرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور علي محمد، في تصريح لـ”الوطن”، أن القرار يمثل امتداداً لقرارات سابقة تناولت موضوع العمولات والرقابة عليها وتحديد سقوف لها. وأشار إلى أنه يشكل خطوة تنظيمية إضافية باتجاه تعزيز الشفافية، وإن لم تكن مؤثرة بشكل كبير في ظل استمرار تحديات الثقة بين المجتمع والقطاع المصرفي السوري. وأوضح أن موضوع العمولات والرقابة عليها وتحديد سقوف لها كان مطروحاً خلال السنوات الماضية.
وأضاف الدكتور محمد أن “المركزي” يحاول من خلال القرار الجديد المضي بخطوات إضافية نحو زيادة الشفافية في العلاقة بين المتعاملين والمصارف. ورغم أن هذه الخطوة ليست مؤثرة بشكل كبير، إلا أنها تندرج في إطار تنظيم العمولات ووضعها ضمن سياسات مكتوبة، تستند إلى صلاحيات محددة داخل كل مصرف، وتتم المصادقة عليها من مجالس إدارات المصارف، إلى جانب تفعيل الرقابة الداخلية على تطبيقها بصورة أساسية.
وأشار الخبير الاقتصادي والمصرفي إلى أن العلاقة بين المجتمع والقطاع المصرفي اليوم ليست جيدة على الإطلاق، نتيجة فقدان الثقة بالقطاع المصرفي السوري لأسباب عديدة، من بينها السيولة. وأكد أن القرار يمثل خطوة تنظيمية في سبيل تأطير سياسات العمولات وتعزيز وضوحها بالنسبة إلى المتعاملين.
وفي المقابل، لفت إلى أن اعتماد منهجية لاحتساب تكاليف كل خدمة دون وضع سقوف للعمولات أو تشديد الضوابط بهذا الاتجاه، يترك المجال مفتوحاً أمام المصارف للمنافسة بينها فيما يتعلق بالخدمات المصرفية.
وأكد محمد أن أي قرار يصدر عن السلطة النقدية ينبغي أن يوازن بين ثلاثة أهداف أساسية: أولها حماية المتعامل، باعتبار أن من حقه ألا يدفع أي رسم أو عمولة، مهما كانت صغيرة، مقابل خدمة غير موجودة أو غير مقدمة فعلياً. أما الهدف الثاني فيتمثل في حماية الاستدامة المالية للمصارف، موضحاً أن العمولات المصرفية تشكل نسبة جيدة جداً من قائمة الدخل لكل مصرف، وبالتالي لا يمكن الإضرار بهذه النسبة بما قد ينعكس على صافي أرباح المصارف.
ويتمثل الهدف الثالث، حسب محمد، في الحفاظ على حق المصرف المركزي في الرقابة على تطبيق قراراته، وفق النظم الرقابية الصحيحة، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية المتعاملين واستدامة عمل المؤسسات المصرفية وفاعلية الرقابة النقدية.
وفيما يتعلق بمستوى العمولات التي كانت تتقاضاها المصارف السورية مقارنة بنظيراتها في دول أخرى، رأى محمد أن الوصول إلى مقارنة دقيقة يتطلب دراسة القوائم المالية، وتحديداً قوائم الدخل الربعية التي تنشرها المصارف الخاصة التقليدية الأحد عشر والمصارف الإسلامية الأربعة العاملة في سوريا.
وأوضح أن “المركزي” يستطيع من خلال قراءة هذه البيانات مقارنة العمولات الدائنة التي تدخل في قائمة الدخل لكل مصرف، وتحليل الفروقات بينها، لمعرفة ما إذا كانت هناك مصارف تتقاضى عمولات أعلى من غيرها أو تتجاوز المتوسط العام.
وتحفظ محمد على إصدار حكم مباشر بشأن المصارف التي تتقاضى عمولات أكبر، مشيراً إلى أنه لا يمكن القول إن مصرفاً يحقق مليار ليرة من العمولات ومصرفاً آخر يحقق المبلغ نفسه يعني أنهما يتقاضيان المستوى ذاته من العمولات، إذا كان حجم أعمال المصرف الأول يفوق حجم أعمال الثاني بمرتين أو أكثر.
وشدد على أن التدقيق في العمولات يمثل واجباً على المصرف المركزي، بما يمنع نفور الراغبين في التعامل مع المصارف بسبب الاعتقاد بأن العمولات تُفرض بصورة عشوائية ومن دون معرفة مسبقة من بعض المتعاملين.
وفيما يتعلق بانعكاسات القرار على الأفراد والشركات، ربط محمد ذلك بتوجه السلطة النقدية نحو تعزيز الشمول المالي، معتبراً أن تنظيم العمولات وضمان توازنها ووضوح تكاليفها وشفافيتها يشكل إحدى النقاط التي ينبغي العمل عليها في هذا المجال.
وأوضح أن وضوح العمولات وتناسبها مع تكاليف الخدمات قد يشجعان المواطن المحدود الدخل أو التاجر الصغير، ولو بدرجة بسيطة، على التعامل مع المصارف. لافتاً إلى ضرورة عدم تحميل القرار أكثر مما يحتمل، فهو خطوة جيدة في إطار تعزيز الشفافية، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة واقع الثقة بين المصارف والمتعاملين.
وختم محمد بالإشارة إلى أن العمل المصرفي يقوم بصورة عامة على الثقة المتبادلة بين المصارف والمتعاملين، وأن القرار قد يسهم إلى حد ما في تمكين العملاء من معرفة تكاليف الخدمات التي يحصلون عليها مسبقاً، وبالتالي المساهمة في ترميم جزء من الثقة المفقودة، وإن كان ذلك في حدوده الدنيا.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد