من ميادين الثورة إلى بناء الدولة: رياضي سوري يروي مسيرته في حمل أمانة الرياضة السورية


هذا الخبر بعنوان "من ميادين الثورة إلى استحقاقات الدولة… شهادة رياضي حمل أمانة الرياضة السورية" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكن الرياضة السورية خلال سنوات الثورة مجرد نشاط شبابي أو منافسات رياضية، بل شكلت جزءاً لا يتجزأ من معركة الحفاظ على الهوية والكرامة، ومنبراً لإثبات قدرة السوريين على البناء والعمل رغم الظروف القاسية. منذ بداية الثورة، اختار العديد من الرياضيين والمدربين والإداريين الوقوف إلى جانب شعبهم، ودفعوا ثمناً غالياً لمواقفهم. ابتعدوا عن المؤسسات الرياضية الرسمية الخاضعة لنظام الأسد السابق، لكنهم لم يتخلوا عن الرياضة، بل تحملوا مسؤولية استمرارها وحماية الأجيال الشابة من الضياع والتهميش.
لقد كنت واحداً من هؤلاء الذين حملوا هذا الملف، وعشت تفاصيله على مدى أربعة عشر عاماً، مؤمناً بأن الرياضة ليست مجرد كرة قدم أو بطولات، بل هي مؤسسة مجتمعية وتربوية قادرة على صناعة الإنسان وتعزيز الانتماء الوطني. خلال فترة عملي في تركيا، وتحديداً في ولاية هاتاي، شاركت في تأسيس وتنظيم العمل الرياضي للسوريين، وتوليت مسؤوليات في اللجنة الرياضية، بدءاً من نائب الرئيس وصولاً إلى رئاستها لاحقاً. عملنا بالتعاون مع الجهات الرياضية التركية، وعلى رأسها مديرية الشباب والرياضة، على تنظيم البطولات والدوريات لمختلف الفئات العمرية، من الأطفال حتى فئة الرجال. لم يكن العمل سهلاً، فقد بدأنا بإمكانيات محدودة، لكننا نجحنا في توسيع التجربة لتشمل عشرات الفرق وآلاف اللاعبين، وأقمنا أنشطة رياضية وشبابية بالتعاون مع جهات تركية ودولية، بما في ذلك منظمة اليونيسف. كما ساهمت في تأسيس أكاديمية الهدف الرياضية، وتطوير المشاريع الرياضية والشبابية في شمال سوريا، والمساهمة في بناء مديرية الرياضة في إدلب، بالإضافة إلى مبادرات لاحتضان الشباب وتوفير مساحات آمنة لهم، إيماناً بأن الطفل والشاب السوري يستحقون فرصة حقيقية للحياة والتعلم والمنافسة، بعيداً عن آثار الحرب والانقسام.
اليوم، وبعد سقوط النظام السابق والتحرر من حقبة طويلة من الاستبداد، نقف أمام استحقاق وطني مختلف تماماً. لقد انتهت مرحلة إسقاط النظام، لكن مسؤولية بناء الدولة بدأت للتو، وهي المرحلة الأصعب التي تتطلب بناء المؤسسات على أسس الكفاءة والنزاهة والعدالة، بعيداً عن المحسوبيات وإعادة إنتاج التجارب السابقة. الرياضة السورية ليست استثناءً من هذا الاستحقاق. لا يمكن أن نتحدث عن رياضة جديدة بعقلية قديمة، أو عن إصلاح حقيقي من خلال إعادة تدوير الشخصيات والآليات التي ساهمت في إضعاف المؤسسات الرياضية وتهميش الكفاءات. الاتحادات الرياضية واللجنة الأولمبية والهيئات الإدارية والأندية هي مؤسسات وطنية ملك لجميع السوريين، ويجب أن تُدار وفق قوانين واضحة وانتخابات ديمقراطية شفافة وجمعيات عمومية حقيقية تمثل الرياضيين.
لا أدعو إلى إقصاء أحد لمجرد اختلاف سياسي أو رياضي، بل أطالب بالتمييز الواضح بين من عمل بإخلاص لخدمة الرياضة، ومن استغل المؤسسات لتحقيق مصالح شخصية أو مارس الإقصاء والفساد. المعيار يجب أن يكون الكفاءة والنزاهة والمساءلة. إنصاف رياضيي الثورة ليس مطلباً شخصياً، بل استحقاق وطني. هناك رياضيون ومدربون وإداريون دفعوا أثماناً باهظة بسبب مواقفهم، وهناك تجارب رياضية نشأت في ظروف استثنائية وقدمت الكثير رغم غياب الإمكانات. من غير المقبول أن تنتهي الثورة ليجد هؤلاء أنفسهم خارج المشهد، بينما تعود الوجوه والعقليات التي كانت سبباً في إقصائهم. كما أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون جزءاً أساسياً من مسار بناء الدولة، فلا يجوز تجاوز حقوق الضحايا أو نسيان دماء الشهداء. محاسبة المجرمين والمتورطين في الانتهاكات حق للضحايا وذويهم. أهل الثورة ونخبها والكفاءات التي عملت في ظروف صعبة هم جزء أساسي من الحل، وخبراتهم وتجاربهم يجب أن تكون حاضرة في مؤسسات الدولة الجديدة.
رسالتنا واضحة للحكومة ووزارة الرياضة والاتحادات الرياضية: بناء الرياضة السورية يحتاج إلى رؤية وطنية شاملة، ومراجعة جادة للمرحلة السابقة، وفتح الأبواب أمام الكفاءات، وإشراك الرياضيين الذين حافظوا على الرياضة خلال سنوات الثورة. نريد مؤسسات قوية لا أشخاصاً أقوياء، وانتخابات حقيقية لا توافقات مغلقة، وأن تكون مصلحة اللاعب والمدرب والرياضي فوق المصالح الشخصية. لقد عملنا سنوات طويلة دون انتظار منصب أو مكافأة، وتحملنا مسؤوليات صعبة، لأننا نؤمن أن سوريا تستحق الأفضل. اليوم، لا نطالب بمكافأة، بل نطالب بألا تُهدر تلك التجارب، وألا يُقصى أصحابها، وألا تتحول تضحيات الرياضيين السوريين إلى مجرد ذكريات. سنبقى أوفياء لدماء الشهداء وتضحيات شعبنا، ومتمسكين بحقنا في رؤية سوريا دولة مؤسسات وعدالة وكفاءة. التحرير لم يكن نهاية الطريق، بل بداية المسؤولية. الرياضة التي نطمح إليها يجب أن تكون انعكاساً لسوريا الجديدة: عادلة، قوية، موحدة، وتحتضن جميع أبنائها. - الكابتن أحمد الحاج - زمان الوصل
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة