جوزيف ستيبنغ يقود السلة السورية نحو التحديات: هل ينجح في مهمة إعادة البناء؟


هذا الخبر بعنوان "المدرب ستيبنغ أمام تحديات الوقت والبنية الضعيفة للسلة السورية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ حزيران ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عنب بلدي – لبابة الطويل – يبرز اسم جوزيف ستيبنغ كمدرب خبير في عالم كرة السلة، بعد مسيرة طويلة قضاها في تدريب منتخبات عربية مختلفة على مدار العقد الماضي. ويعكس اختيار الاتحاد السوري لكرة السلة للمدرب ستيبنغ في هذا التوقيت، التوجه نحو الاستفادة من الخبرات الأجنبية بهدف تطوير مستوى المنتخب السوري.
في ظل سعي سوريا لتعزيز مكانتها على الساحتين الآسيوية والدولية، يمثل هذا التعاقد خطوة ضمن مشروع فني طويل الأمد، يهدف إلى بناء فريق قادر على المنافسة بقوة. وُلد جوزيف في مدينة مونتريال الكندية، حيث نشأ محبًا لكرة السلة. وقد لاحظ معلموه شغفه بالتطوير الذاتي، ليصبح لاحقًا أفضل لاعب في كندا عام 2005، ويحصل على منحة دراسية للدراسة في جامعة “ميشيغان ستيت”.
في الجامعة، اقترب من المدرب الأسطوري توم إيزو، الذي وصفه بأنه شخص يلتقط التفاصيل الدقيقة في اللعبة ويطبقها بحرفية. لم يكن ستيبنغ مجرد لاعب، بل كان عقلًا تكتيكيًا ناشئًا، يناقش المدرب ويقترح الخطط وينفذها، كما فعل عندما قاد زملاءه بنجاح لتسجيل نقطة حاسمة عبر خطة أطلق عليها اسم “Jazz”.
اشتهر جوزيف ستيبنغ في محطاته التدريبية السابقة بأسلوبه الواقعي المنظم، وهو مصطلح يستخدمه لوصف فلسفته التي تمزج بين الانضباط الخططي والمرونة التطبيقية. فهو لا يفضل كرة السلة الاستعراضية التي تغلب عليها المهارات الفردية، بل يفضل اللعب الجماعي المبني على التحركات بدون كرة، واستخدام تكتيك “cut & space” لفتح المساحات أمام اللاعبين القادرين على التسديد من المسافات المتوسطة والطويلة.
كما يولي اهتمامًا خاصًا للتحول الدفاعي السريع، حيث يتحول فريقه إلى الدفاع بمجرد فقدان الكرة، لتقليل مخاطر الهجمات المرتدة. وعلى الرغم من أنه لا يفضل الإفراط في الرميات الثلاثية المنظمة، إلا أنه يمنح الضوء الأخضر في حالات محسوبة جدًا، وغالبًا ما تأتي من زاوية الركن التي يعتبرها نقطة ذهبية في خططه.
يفضل ستيبنغ اللعب عبر العمق بدلًا من الاعتماد على الأطراف فقط، إذ يوجه لاعبيه للضغط عبر منتصف منطقة الخصم، من خلال الانسلالات الداخلية (Slashes) والتحركات العكسية المفاجئة. وعلى المستوى الدفاعي، يفضل استخدام المنطقة الضاغطة 2-3 أو 1-3-1، خاصة أمام الفرق الأسرع، مما يسمح له بتقليص الفجوات وتحجيم لاعبي الخصم المتميزين في الاختراق، ولكنه أحيانًا ينتقل إلى دفاع رجل لرجل إذا شعر بانخفاض التوازن الذهني لدى الخصم.
أكثر ما يميز أسلوبه هو ما يسميه “السلة الذكية”، بمعنى أن الفريق لا يجب أن يلعب دائمًا بوتيرة واحدة، بل أن يفهم متى يهدئ الإيقاع، ومتى يفاجئ، ومتى يخطئ تكتيكيًا عمدًا ليوقع الخصم في الفخ.
بعد نهاية مسيرته كلاعب، بدأ ستيبنغ العمل كمدرب مساعد ثم مدرب رئيس، وتدرج بين عدة مستويات. ومنذ أوائل عام 2010، تعرف إلى عوالم التدريب في الشرق الأوسط، ليحصل على الفرصة الأولى له خارج قارة أمريكا. في قطر، تولى تدريب منتخب الشباب قبل أن يُمنح الثقة لتدريب المنتخب الأول، ثم انتقل إلى الأردن، حيث خاض تجربة تدريبية نوعية، سمحت له بفهم الواقع الرياضي العربي، والتأقلم مع التحديات الثقافية والإدارية. هذه الخبرات جعلته محط اهتمام عدة اتحادات، خصوصًا ما يتعلق بإدارة العنصر الخليجي واستخدامه ضمن منظومات متقدمة. وبحسب تقارير مقربة من عمله، يوصف بأنه مدرب خبير متمرس، وذو خبرة كبيرة في التنافس على المستوى الدولي.
في قطر، كانت الانطلاقة الخليجية، حيث أشرف ستيبنغ على منتخبات الفئات السنية في بداية عمله هناك، وتميز بقدرته على اكتشاف المواهب وتعزيز مهاراتهم الفردية. في تلك الفترة، عمل على تطوير مبدأ الـ”Positionless basketball” مع لاعبين شباب، أي ألا يتم حصر اللاعبين في مراكز تقليدية، بل تدريبهم على مرونة اللعب كموزعين ومهاجمين ومدافعين في الوقت ذاته. ولعل أبرز إنجازاته قيادة منتخب الشباب القطري لتحقيق فوز تاريخي على اليابان في بطولة آسيا تحت 18 عامًا.
في تجربته الأردنية، واجه لأول مرة ضغط الجماهير والمطالب الإعلامية المرتفعة، ودرب المنتخب الأول في فترة انتقالية حساسة بعد استقالة مدرب سابق محلي، وقاد الفريق إلى نصف نهائي البطولة العربية. وأظهر ستيبنغ تطورًا كبيرًا في الإدارة النفسية للاعبين، إذ استطاع توجيه مجموعة تعاني من تشتت ذهني إلى أداء جماعي عالٍ، لكنه تعرض لانتقادات تتعلق “بقوة الشخصية” في بعض اللحظات الحاسمة، خصوصًا أمام منتخبات ذات عقلية هجومية ضاغطة.
في 25 من حزيران الحالي، أُعلن رسميًا عن تعيين ستيبنغ مدربًا للمنتخب السوري للرجال، في خطوة مفاجئة للشارع الرياضي، والهدف كأس آسيا 2025 وتصفيات كأس العالم 2027. وكان لافتًا أن الإعلان عن التعاقد جاء ضمن جدول طموح، يحمل آمالًا جديدة في المشهد الرياضي السوري. جاء ستيبنغ في الوقت المناسب، بعد أن عانى المنتخب السوري من انقطاع حاد في نتائجه الآسيوية والعالمية. وتكمن مهمته الكبرى في اللحاق بموعد كبير مقبل وهو نهائيات كأس آسيا، إذ تطمح سوريا لاستعادة مكانتها، والتصدي لخصومها التقليديين.
لن تمر رحلة ستيبنغ في سوريا دون مخاطر، وأبرز التحديات التي ستواجهه:
منذ الإعلان عن التعاقد مع جوزيف ستيبنغ، تباينت ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات، بين من يرى في الخطوة قرارًا مدروسًا قد يحمل معه نقلة نوعية للمنتخب، ومن يرى أن التحديات على الأرض قد تعوق تنفيذ أي مشروع فني مهما كانت خبرة المدرب. وبينما يعبّر البعض عن تفاؤلهم بقدوم مدرب يحمل طموحات واضحة ونهجًا أكاديميًا، يرى آخرون أن الظروف المحلية والإدارية قد تشكل عائقًا أمام تحقيق التطلعات، مما يجعل آراء المتابعين منقسمة بين الحذر والأمل. لكن المدرب نفسه أعرب في أول تصريحات عنه عن احترامه للوضع السوري، واستعداده للتواصل مع القطاعات المدنية والرياضية، ورفض أي حل جاهز مبالغ فيه.
إذا كانت كرة السلة السورية تبحث عن بناء حقيقي لا مجرد حلول سريعة، فإن تعيين جوزيف ستيبنغ يمثل خطوة أولى في الاتجاه الصحيح. المدرب الأمريكي لا يحمل وعودًا براقة، لكنه يأتي بخطة واضحة، وهي التنظيم، وإعداد المواهب، والتركيز على تطوير الأداء الجماعي، والتحدي الحقيقي الآن هو أن تصمد هذه الخطة أمام ضغط المنافسات والآمال المتزايدة، وأن تنجح في كسر حلقة التراجع التي طالت. جوزيف ستيبنغ ليس من المدربين “النجوم” الذين يُكثرون من التصريحات أو يسعون إلى “شو” تكتيكي، لكنه مدرب مدروس، يُجيد بناء هوية، خاصة مع الفرق التي تحتاج إلى إعادة ترميم. أسلوبه الهجومي غير متهور، ويميل إلى البناء التدريجي، مع تشديد دائم على التفاصيل الدفاعية، وتنظيم الهجمات ببطء نسبي حتى تُصبح الكرة “صاحبة القرار”. وبين تجاربه الثلاث، تبدو سوريا أقرب إلى “مشروع العمر” بالنسبة له، فهو لا يرث منتخبًا جاهزًا، بل يبدأ من الصفر تقريبًا، لكنه يملك الأدوات النظرية والعملية التي قد تمكّنه من بناء منتخب فعّال إذا تم منحه الوقت والاستقرار اللازمين.
رياضة
رياضة
رياضة
منوعات