يرى الصحفي المتخصص بالشأن المحلي مصطفى السيد أن التعميم الصادر عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية العربية السورية، والمقرر بدء العمل به في مطلع شهر أيلول المقبل، يمثل بادرة إدارية جادة من حكومة الرئيس أحمد الشرع في سبيل إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والحوكمة الرشيدة.
ويشير السيد إلى أن هذه الخطوة تحمل دلالة رمزية خاصة، كونها تضع حداً لمرحلة طويلة بدأت منذ عام 1963، حيث كان الولاء السياسي والشخصي المعيار الأساسي لتولي المناصب العامة في سورية. ويوضح أن الوظيفة العامة تحولت على مدار ستة عقود إلى أداة في يد الأجهزة الأمنية، أكثر من كونها وسيلة للإنتاج، إذ كانت الموافقات الأمنية شرطاً لتعيين أصغر موظف.
ومع رحيل الأسد وتفكك الجيش وأجهزة المخابرات، تخلت معظم الإدارات الفاسدة عن مواقعها، لتجد القوات التي دخلت دمشق نفسها أمام مؤسسات متهالكة وجهاز إداري شبه معطل. آنذاك، رُفع شعار "من يحرر يقرر"، واعتمد الرئيس الشرع على كوادر مدنية عملت معه في حكومة الإنقاذ بإدلب، والتي تمكنت من إدارة بعض القطاعات بكفاءة نسبية رغم ظروف الحصار، إلا أنها أظهرت لاحقاً قصوراً واضحاً نتيجة محدودية الخبرات ونقص الكفاءات المدربة.
ويهدف التعميم الجديد رقم 2533/ص إلى معالجة هذا القصور، حيث نص على وقف التعيينات العشوائية وحصرها في أضيق نطاق، ومنع تمديد الخدمة أو تجديد العقود المؤقتة إلا بموافقة الأمانة العامة، وعدم إعادة المفصولين أو المستقيلين إلا إذا كان سبب إنهاء الخدمة مرتبطاً بدواعٍ أمنية في عهد النظام السابق. كما شدد على تفعيل العقوبات المسلكية وتطبيق المادة 25 من قانون العاملين التي تسمح بفصل الموظف ضعيف الأداء بعد تقييمين متتاليين.
وألزم التعميم المؤسسات الحكومية بتفعيل نظام البصمة لضبط الحضور والانصراف، وتدوير العاملين حسب الحاجة والاختصاص، وتقييد قرارات الندب والتكليف إلا في حالات استثنائية تخص المحافظات الشرقية. كما ألزم الجهات العامة بإنهاء الإجازات المأجورة وعودة الموظفين إلى أعمالهم بدءاً من مطلع أيلول، في محاولة لإعادة الانضباط إلى جهاز إداري أرهقه الترهل والغياب.
ويرى السيد أن هذه الإجراءات تعكس توجهاً جاداً نحو بناء جهاز حكومي أكثر كفاءة، لكنها ستظل معلقة بآليات التنفيذ ومدى نزاهتها.
وفي الساحل السوري، تباينت ردود الفعل حول التعميم. فقد أوضح أيهم صبيح، صيدلاني ومؤسس مبادرة "أبناء البلد" في جبلة، في حديثه لمنصة سوريا 24، أن الوضع العام كان متوقفاً على الحالة الاقتصادية التي انعكست مباشرة على الأمن. فبعد سقوط النظام، وجد الكثيرون أنفسهم بلا رواتب ولا أعمال، ما أدى إلى بطالة واسعة شملت الريف والمدينة. وأشار إلى أن اعتماد اقتصاد الساحل على الرواتب فاقم الأزمة، خاصة أن أغلبية السكان كانوا مرتبطين بالجيش.
كما لفت إلى أن الترهل الإداري السابق، حيث كان ثلاثون موظفاً يقومون بعمل يكفيه خمسة، أدى إلى تسريح واسع فُسِّر أحياناً بأنه طائفي رغم أنه لم يكن موجهاً لطائفة بعينها. وأضاف صبيح أن أساليب التعامل مع الموظفين تراوحت بين الإجازة المأجورة والفصل الفوري والنقل القسري، لكن مع استقرار الحكومة الجديدة تمت إعادة عدد كبير من الموظفين إلى وزارات خدمية مثل الكهرباء والتربية والطيران والبلديات.
واعتبر أن قرار إعادة صرف رواتب المتقاعدين العسكريين بعد 2011 خطوة مهمة، وإن كانت بحاجة إلى تدقيق، إذ إن بعضهم كان مطلوباً بملفات خاصة لكن من ثبتت براءته أعيدت له حقوقه. ومع ذلك، شدد على أن الريف الساحلي ما يزال بحاجة إلى حل أمني مع غياب المخافر الشرطية، ورأى أن الوضع تحسن نسبياً مقارنة بالأشهر الماضية بفضل مبادرات محلية من عقلاء الطائفتين لخفض التوتر.
من جانبه، أكد مهيار بدرة لمنصة سوريا 24 أن "التعميم ترافق مع قرار إعادة صرف رواتب المتقاعدين العسكريين بعد 2011، وهو ما خلق ارتياحاً واسعاً في أوساط الناس في اللاذقية عموماً وجبلة خصوصاً"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى حملات تشكيك على وسائل التواصل تحاول ربط القرار بضغوط روسية أكثر من كونه خياراً سيادياً.
أما محمود أبو عامر، الموظف السابق في فرع الإنشاءات العسكرية بحلب، فقال لمنصة سوريا 24: "رغم أن الناس استقبلوا القرار بارتياح كبير، إلا أن التنفيذ ما زال بطيئاً. لم يتم التواصل معي أو مع كثير من المفصولين حتى الآن، ما يجعل أثر التعميم محدوداً عملياً".
تكشف هذه الآراء أن التعميم استُقبل كخطوة أولى مهمة لإعادة الانضباط والكفاءة إلى الإدارة العامة، لكنه في الوقت ذاته أبرز الفجوة بين النصوص والتطبيق. وبين الارتياح الشعبي، والتشكيك الرقمي، والتحفظ على بطء التنفيذ، يبقى مصير آلاف الموظفين الذين فُصلوا خلال سنوات الثورة، سواء بسبب مواقفهم السياسية أو بفعل الظروف الأمنية التي عاشتها مناطقهم، سؤالاً مفتوحاً سيحدد مدى جدية الحكومة في تحويل مبدأ الكفاءة إلى ثقافة مؤسساتية راسخة في مرحلة ما بعد الأسد.