الأحد, 31 أغسطس 2025 06:08 PM

مفاوضات سوريا وإسرائيل: فقدان الثقة يهدد التقدم و"الاتفاقات الإبراهيمية" تبدو بعيدة المنال

مفاوضات سوريا وإسرائيل: فقدان الثقة يهدد التقدم و"الاتفاقات الإبراهيمية" تبدو بعيدة المنال

عنب بلدي ـ عمر علاء الدين: على الرغم من الحديث عن المحادثات الجارية بين سوريا وإسرائيل بهدف التوصل إلى اتفاق أمني، تشير الرسائل الصادرة عن الطرفين مؤخرًا، سواء كانت عسكرية أو سياسية، إلى وجود فقدان للثقة أو توقف في المفاوضات. تعود هذه الأسباب إلى عدة عوامل، من بينها الأحداث الأخيرة في السويداء، وفقًا لما ذكرته هيئة البث الإسرائيلية (مكان).

بالنسبة للجانب السوري، ووفقًا لتعبير الرئيس أحمد الشرع، فإن المفاوضات مرهونة بالتزام إسرائيل بأي اتفاق يتم التوصل إليه، على أن يكون ذلك على أساس اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. في المقابل، تعبر الحكومة الإسرائيلية عن عدم ارتياحها لطبيعة الإدارة الجديدة في سوريا، وتطالب بمنطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، مع التأكيد على عدم التخلي عن المناطق التي سيطرت عليها، وعلى رأسها القمة 2814 في جبل الحرمون.

يسعى هذا التقرير، الذي تعده عنب بلدي، إلى استكشاف مسار هذه المفاوضات في ضوء الاستهداف الإسرائيلي لجنود سوريين في منطقة الكسوة بريف دمشق في 26 آب الحالي، والتصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد لقاء في غرفة عمليات الطائفة الدرزية التي أقامتها في بلدة جولس شمالي إسرائيل في 28 آب.

"الاتفاقات الإبراهيمية" والجولان

استبعد الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، خلال لقائه مع وفد عربي ضم رؤساء تحرير وسائل إعلام ووزراء سابقين في دمشق في 24 آب الحالي، تطبيق "الاتفاقات الإبراهيمية" في سوريا، موضحًا أن "الاتفاقات حصلت بين إسرائيل ودول ليست عندها خلافات وليست مجاورة. سوريا وضعها مختلف، لدينا الجولان أرض محتلة".

تتمثل الأولوية حاليًا، بحسب الشرع، في العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 أو شيء مشابه، بهدف ضبط الوضع الأمني في جنوبي سوريا بإشراف دولي. ويرى الباحث في مركز "جسور للدراسات"، محمد سليمان، أن الشرع أعاد طرح قضية الجولان المحتل في هذا "التوقيت الحرج" لتنبيه المجتمع الدولي إلى الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة التي تمثل خرقًا صارخًا لكل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.

وفي حديث إلى عنب بلدي، أكد سليمان أن سوريا لن تتنازل عن أراضيها مهما كانت الضغوط، وأن سياستها الخارجية تختلف جذريًا عن نهج "النظام البائد" في التعاطي مع هذه القضايا. ويرى الباحث السوري أن الوضع في سوريا يختلف عن بقية الدول التي تناقش "الاتفاقات الإبراهيمية" نظرًا إلى حساسيتها الجغرافية والسياسية، فـ"إسرائيل توجد على الحدود السورية مباشرة وتقوم بانتهاكات مستمرة منذ سقوط النظام البائد لم تكن تقوم بها على زمنه، سواء عبر التوغلات البرية أو استهداف المنشآت والمقار الأمنية والعسكرية الحكومية".

ويعتقد سليمان أنه في ظل هذا "الوضع الأمني المتوتر"، يصعب الحديث عن أي مسار تفاوضي ضمن إطار "الاتفاقات الإبراهيمية". ويسعى الشرع، بحسب الباحث في مركز "جسور"، إلى تحييد الصراع عن الجغرافيا السورية قدر الإمكان ضمن هذه المفاوضات، مفضلًا اعتماد الطرق الدبلوماسية والتنسيق مع "الأشقاء الأتراك والعرب والحلفاء الأمريكيين والأوروبيين، للتوصل إلى حلول تُنهي تعقيدات العلاقة مع إسرائيل، وألا تفضي إلى تفاهمات أمنية مؤقتة".

يُذكر أن اتفاقيات "أبراهام" وُقعت أول مرة بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين في البيت الأبيض في 15 أيلول 2020، بحضور الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال ولايته السابقة، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد، ووزير خارجية البحرين، عبد اللطيف الزياني.

الثقة مفقودة

أكد المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، في 28 آب الحالي، أن الجانبين (سوريا وإسرائيل) التقيا في باريس لمدة ثلاث ساعات ونصف، ثم التقيا لاحقًا في اجتماع ثانٍ، واصفًا الأجواء بـ"الإيجابية". وأشار إلى أن الشرع لا يثق بالإسرائيليين، معتبرًا أنه "لم تعد العديد من البلدان العربية تثق بها بعد ما حصل في غزة"، لكنه أوضح أن الشرع "مستعد للتفاوض من أجل مصلحة بلاده".

ويرى براك أن الإسرائيليين يعتبرون أن خطوط "سايكس- بيكو" بعد "7 من أكتوبر" لم تعد "ذات معنى"، وأنهم يتحركون حيث يشاؤون لحماية بلادهم. وأعلن أنه طلب من نتنياهو ألا يكون شديد القسوة على الجميع.

من جانبه، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد لقاء في غرفة عمليات الطائفة الدرزية التي أقامتها في بلدة جولس شمالي إسرائيل في 28 آب الحالي: "أنا لست شخصًا ساذجًا، أفهم أمام من نقف، وأمام ماذا نقف"، مؤكدًا أنه "ستكون لدينا تسوية".

ويرى الباحث في مركز "جسور للدراسات"، محمد سليمان، أن الرئيس الشرع "لا يثق بالإسرائيليين"، ومع ذلك يبدي استعداده للعمل بشفافية ووضوح في أي تفاهمات قد تجنب سوريا الدخول في نزاعات جديدة. وأشار سليمان إلى انعدام ثقة السوريين بإسرائيل، التي طالما انتهجت سياسات قائمة على الاحتلال واستخدام القوة ضد من لا يوافق على رؤيتها للمنطقة.

ويعمل الشرع، بحسب الباحث، من خلال "المناورات السياسية والدبلوماسية على كسب الوقت وتخفيف الضغط الممارس على البلاد، ريثما تصل الأمور إلى تفاهمات أو حلول معينة".

ويرى الكاتب الإسرائيلي إفرايم عنبر، الباحث في مركز "القدس للدراسات الاستراتيجية"، أن سوريا أصبحت "نقطة خلاف" بين واشنطن وتل أبيب اللتين لا تتفقان بشأن مستقبلها. فالولايات المتحدة، مثل تركيا، بحسب الكاتب، "مهتمة بتحويل سوريا إلى دولة مركزية تحت رعايتها"، بينما هناك رؤية مختلفة لإسرائيل، بسبب التزامها بالأقليات (وخاصة الدروز والأكراد).

وفي مقال له على موقع القناة "12" الإسرائيلية، اعتبر عنبر أن قدرة إسرائيل على هندسة الكيانات السياسية خارج حدودها الشمالية، سوريا ولبنان، "محدودة للغاية"، ويجب ألا "تتوهم" إسرائيل أن قوتها العسكرية قادرة على تغيير الواقع السياسي هناك. وأضاف، "ستظل هاتان الدولتان تشكلان تحديًا أمنيًا في المستقبل القريب".

التصعيد العسكري لفرض وقائع على الأرض

تسعى إسرائيل لفرض اتفاقية خضوع عبر وقائع ميدانية تستند إلى قوة عسكرية مفرطة. وتأتي التطورات الميدانية في اليومين الأخيرين بالتصعيد العسكري في جبل المانع بمنطقة الكسوة بريف دمشق في هذا السياق، حيث نفذ الجيش الإسرائيلي إنزالًا جويًا بأربع مروحيات إسرائيلية بجنوب شرقي مدينة الكسوة في ريف دمشق، في 27 آب الحالي، دون أن يحدث أي اشتباك مع عناصر وزارة الدفاع الموجودين بالقرب من المنطقة.

وذكر مصدر عسكري، تحفظ على نشر اسمه، لعنب بلدي حينها، أن عملية الإنزال استمرت أكثر من ساعتين، دون أن يشير إلى طبيعة العملية وسببها. وقال مصدر حكومي لوكالة الأنباء السورية (سانا)، إن عناصر من الجيش عثروا خلال جولة ميدانية على أجهزة مراقبة وتنصّت قرب جبل المانع، في 26 آب، وفي أثناء محاولة التعامل معها، تعرض الموقع لهجوم إسرائيلي جوي أسفر عن قتلى وإصابات وتدمير آليات.

وتجدد القصف الإسرائيلي، في اليوم التالي، على نقاط عسكرية في ريف دمشق، بالقرب من مدينة الكسوة، بأكثر من عشر ضربات.

اعتمدت إسرائيل نهجًا تصعيديًا منذ سقوط نظام الأسد، في 8 كانون الأول 2024، إذ توغلت في عدة مناطق جنوبي سوريا، بمحافظتي القنيطرة ودرعا. وفي أول تعليق له على التوغل الإسرائيلي بعد تسلمه السلطة، قال الشرع، في 14 كانون الأول 2024، إن حجج إسرائيل انتهت، معتبرًا أنه لا توجد حجج لتدخل خارجي الآن في سوريا بعد إنهاء الوجود إيران في البلاد، وفق تصريحه.

وأكد الشرع أنه لا ينوي خوض صراع مسلح مع إسرائيل، معتبرًا أنها ليست المعركة التي سيخوضها. ودمّر الجيش الإسرائيلي العديد من المواقع العسكرية السورية، في الجنوب السوري ودمشق واللاذقية وحمص وحلب، عقب سقوط الأسد، وهو ما اعتبرته إسرائيل خطوات استباقية لعدم وقوعها بأيدي "المتطرفين"، ولضمان أمنها، على حد قولها.

ويحاول المفاوض السوري تحريك كل أدوات الضغط الدبلوماسي، وهذا ما رأيناه في تحذير وزير الخارجية، أسعد الشيباني، في قمة جدة من مشاريع إسرائيل التوسعية، خصوصًا ما صدر على لسان بنيامين نتنياهو حول إسرائيل الكبرى.

ويرى الباحث في مركز "جسور للدراسات"، محمد سليمان، أن المفاوضات مع إسرائيل ستبقى مستمرة بحكم "الواقع الجغرافي والانتهاكات المتكررة"، لكنها تواجه تحديات داخلية وإقليمية، ولا يمكن القول بأنها متعثرة بالكامل. وبحسب سليمان، تحتاج المفاوضات إلى "توافقات استراتيجية" تحصّن سوريا على المدى الطويل من التدخلات العسكرية والأمنية الإسرائيلية وتضبط العلاقة معها، لتكون ضمن الأطر الرسمية الحكومية فقط، دون أي اتصال مع جهات غير رسمية أو فواعل ما دون الدول.

وحكم تقرير لمركز "ألما" الإسرائيلي للأبحاث، على أي عملية دبلوماسية بين سوريا وإسرائيل بـ"الفشل"، لأن سوريا لا تعتزم تلبية ما أسماها التقرير بـ"الشروط الإسرائيلية للانسحاب من الجبهة الشمالية". واعتبر المركز أن الوجود العسكري في تسع نقاط على الجانب السوري من خط فصل القوات لعام 1974 ليس "ورقة مساومة مؤقتة"، بل هو "موقف أمني ضروري وطويل الأمد"، تم اتخاذه في مواجهة "واقع غير قابل للحل دبلوماسيًا"، على حد تعبيره.

مشاركة المقال: