زيارة الشرع إلى الكرملين: هل تدفع المصالح بعيدًا عن تداعيات الحرب السورية؟


هذا الخبر بعنوان "الشرع يصعد درج الكرملين.. مصالح فوق رماد الحرب" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
موفق الخوجة | وسيم العدوي | عمر علاء الدين
في تحول لافت، استقبل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في الكرملين، في منتصف تشرين الأول الحالي، بعد سنوات من العداء الظاهر. تأتي هذه الزيارة بعد أن منحت موسكو اللجوء للرئيس الهارب، بشار الأسد، وتثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين البلدين.
الزيارة التي جرت على بعد خمسة كيلومترات فقط من مكان إقامة الأسد في “موسكوفا سيتي”، حملت ملفات عديدة وأثارت انتقادات وإشادات، لكنها تبقى لحظة محورية في العلاقات بين سوريا وروسيا. فبعد سنوات من القصف والدعم السياسي والعسكري لنظام الأسد، تفتح روسيا صفحة جديدة مع دمشق، إلا أن هذه الخطوة تواجه تحديات، أبرزها ملفات حقوقية تتعلق بالتدخل الروسي في سوريا خلال السنوات الـ 14 الماضية، بالإضافة إلى علاقات دمشق مع العواصم الغربية التي تتبنى مواقف معادية لموسكو.
تستعرض عنب بلدي في هذا الملف أبعاد زيارة الشرع إلى موسكو، وتناقش أهدافها ودلالاتها، بالإضافة إلى إمكانية تسليم الرئيس المخلوع، بشار الأسد.
تمتد العلاقات السياسية بين سوريا وروسيا إلى سبعينيات القرن الماضي، في عهد الاتحاد السوفييتي، وتعززت في عهد الرئيس الأسبق، حافظ الأسد، واستمرت في عهد الأسد الابن. وبعد سقوط النظام السوري السابق، شهدت العلاقات فتورًا، قبل أن تتكلل بزيارة الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى الكرملين.
يرى الباحث السياسي السوري، الدكتور نادر الخليل، أن زيارة الشرع إلى موسكو تعكس براغماتية سياسية تهدف إلى إعادة تموضع سوريا في التحالفات الدولية بعد سقوط نظام الأسد، مشيرًا إلى أن الملفات المطروحة تهدف إلى تجاوز الماضي من أجل تحقيق مصالح وطنية.
تشمل القضايا المطروحة بين البلدين تسليم الرئيس المخلوع، القواعد الروسية في سوريا، وعلى رأسها قاعدتا “حميميم” الجوية في اللاذقية، ومرفأ “طرطوس”، بالإضافة إلى قضايا أمنية واقتصادية وعسكرية وإقليمية.
يرى ديمتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز “الدراسات العربية الأوراسية”، أن هناك أربعة ملفات رئيسة تدفع موسكو للحفاظ على هذه العلاقة وتطويرها:
الملف الأول يتعلق بالوضع الأمني في الجنوب السوري، حيث تسعى روسيا إلى منع أي تصعيد عسكري على حدود الجولان المحتل والحدود الأردنية، للحفاظ على توازن القوى ومنع تمدد النفوذ الإسرائيلي أو عودة المجموعات المسلحة. تعتبر موسكو الجنوب السوري منطقة اختبار لنفوذها الإقليمي، وتسعى إلى لعب دور الضامن لوقف إطلاق النار والاستقرار الأمني.
سبق أن نشرت روسيا نقاطًا أمنية في الجنوب السوري، بالقرب من خط فضّ الاشتباك، لمنع أي توتر بين سوريا وإسرائيل. وبعد سقوط النظام، أثير الحديث عن عودة هذه النقاط وتسيير دوريات روسية.
الملف الثاني يتعلق بتدريب وتسليح الجيش السوري الجديد، حيث تعمل روسيا على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وتزويدها بمنظومات دفاع جوي متقدمة، وتدريبات على الأسلحة الروسية الحديثة. يهدف هذا الدعم إلى بناء جيش قادر على حماية البلاد وضمان استقرارها.
قبل زيارة الشرع، وصل وفد عسكري سوري إلى موسكو، برئاسة اللواء علي النعسان، للاطلاع على منظومات الدفاع الجوي والمعدات العسكرية الثقيلة.
الملف الثالث يتمثل في إدخال الشركات الروسية إلى السوق السورية، في مجالات الطاقة والنفط وإعادة الإعمار والنقل والبنى التحتية. ترى موسكو في إعادة إعمار سوريا فرصة اقتصادية ضخمة، وتعزيزًا لنفوذها الاقتصادي في الشرق الأوسط.
يجري الحديث عن إنشاء صندوق استثماري سوري- روسي مشترك لتمويل مشاريع إعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد المحلي.
الملف الرابع يرتبط بقضية المقاتلين الأجانب المنحدرين من الجمهوريات الروسية. ترى روسيا في بقاء “بؤر التطرف” تهديدًا لأمنها القومي، وتعمل مع دمشق على إعادة هيكلة آليات التعامل مع هذا الملف.
تعمل موسكو ودمشق على خطط مشتركة لـ”تطهير” مناطق الشمال والبادية من الجماعات المسلحة ذات الطابع الأجنبي، وإنشاء قنوات تنسيق لتبادل المعلومات.
تلقّت الإدارة السورية انتقادات بسبب علاقاتها مع موسكو. يرى الباحث السياسي نادر الخليل أن روسيا لاعب دولي لا يمكن تجاهله، وأن العلاقة الجديدة يجب أن تكون محدودة ومشروطة، بما يضمن مصالح سوريا. ويرجح أن قطع العلاقات مع روسيا سيؤدي إلى فوضى.
يوضح أن القطيعة ستكون مكلفة على المستويات الاقتصادي والأمني والدبلوماسي والإقليمي.
أثار طلب الرئيس السوري، أحمد الشرع، من نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، تسليم الرئيس المخلوع، بشار الأسد، نقاشًا واسعًا. أكد نائب مدير إدارة روسيا وشرق أوروبا في وزارة الخارجية والمغتربين، أشهد صليبي، أن الشرع طالب بتسليم الأسد، وأبدى الجانب الروسي تفهُّمًا لتحقيق العدالة الانتقالية، لكنه ربط التسليم بوضع آليات قانونية جديدة.
يبلغ عدد اتفاقيات تسليم “المجرمين” الموقّعة بين سوريا ودول العالم حوالي 23 اتفاقية، من ضمنها اتفاقية مع روسيا، صدّق عليها الأسد في عام 2022. يشير المحامي محمد الحربلية إلى أن الاتفاقيتين لا تزالان ساريتي المفعول، أي أن بشار الأسد قد يتم جلبه للمحاكمة بموجب اتفاقية سبق وأن وقّعها.
المرسوم رقم “32”
تصدّق اتفاقية التعاون القانوني المتبادل في القضايا الجزائية الموقّعة في بطرسبورغ بتاريخ 29 من حزيران 2022.
المرسوم رقم “33”
تصدّق اتفاقية تسليم المحكومين الموقعة في بطرسبورغ بتاريخ 29 من حزيران 2022.
تكشف اتفاقية “تسليم المجرمين” عن معضلة حقيقية، إذ تؤكد الاتفاقية على تسليم مرتكبي الجرائم الجنائية العادية، باستثناء الجرائم السياسية أو الحالات التي قد يعاقب عليها بالإعدام. يمنح هذا روسيا مخرجًا قانونيًا مؤقتًا يمكنها التذرع به لرفض التسليم.
يعتبر قرار تسليم المجرمين قرارًا سياديًا، لكنه يجب ألا يتنافى مع الاتفاقيات الدولية التي تفرض على الدولة التي تؤوي مرتكبي “جرائم” القانون الدولي إما تسليم المطلوب أو محاكمته لديها.
يشير المحامي الحربلية إلى أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم “3074” لعام 1973، يكتسب أهمية خاصة لشموله، والتوصيف القانوني الدقيق في نصه، بهدف ضمان عدم إفلات مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من العقاب.
يرى المختص في القانون الجنائي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني أن الجانب السلبي الأساسي لمثل هذه الزيارة هو أنها قد تُقدم سياسيًا كنوع من إعادة التطبيع قبل تحقيق العدالة، موضحًا أن ذلك يُضعف الثقة لدى الضحايا وذويهم.
يعتقد أن “الخطأ الأكبر” هو تحويل الزيارة إلى بوابة لإعادة العلاقات دون وضع شروط واضحة تتعلق بمحاسبة المتورطين، وكشف مصير المختفين قسرًا، وتعويض المتضررين وتسليم مجرمي الحرب.
إعادة بناء أي علاقة بين دمشق وموسكو يجب أن تبدأ من الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية، لا من المصالح السياسية فقط، وفق ما يراه الكيلاني.
حدد الكيلاني خطوتين في هذا المسار يجب على روسيا أن تتخذهما، وتكون الأولى بأن تتحمل مسؤولياتها وتعترف بجرائم الحرب المرتكبة، والثانية أن تعوض روسيا الضحايا وأن تسهم بإعادة إعمار ما دمرته الماكينة العسكرية.
زيارة الرئيس السوري إلى موسكو ذات أثر على ملفات تتعلق بالإقليم والعالم وعلاقات سوريا الجديدة مع أوروبا والولايات المتحدة، إلا أن صمتًا دوليًا رافق الزيارة، ما أثار تساؤلات حول موقف هذه الدول منها.
هذا الصمت، كسرته الأمم المتحدة، التي كانت أول المعلقين على الزيارة حيث اعتبر المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن وجود الشرع في موسكو “مهم”.
يرى الصحفي السوري المقيم في الولايات المتحدة محمد عبد الرحيم، أن واشنطن لم تعلق على زيارة الشرع لـ”أسباب مفهومة”، لأن علاقتها مع موسكو تمر الآن بـ”ظروف دقيقة بسبب الحرب في أوكرانيا”.
لكن يمكن الاستدلال على موافقة واشنطن على هذه الخطوة بأن سلطات دمشق لم تكن لتقدم عليها لولا وجود موافقة صامتة من واشنطن.
يعتقد الصحفي السوري أن واشنطن تحتاج إلى دور روسي في سوريا، يتمثل بعدم انجرار تركيا وإسرائيل لمواجهة في سوريا.
عضو الكونجرس الأمريكي جو ويلسون، دعا لإخراج القواعد الروسية من سوريا.
يرى محمد عبد الرحيم، أن واشنطن تفهم كل هذه التعقيدات التي تمر بها العلاقات بين سوريا وروسيا بدءًا من بناء الجيش السوري والديون والاستثمارات والحلف القديم الممتد قرابة 80 عامًا.
ربما عبّر بعض أعضاء الكونجرس عن غضبهم، ولكنهم ليسوا جزءًا من المؤسسات الفاعلة.
لكن يبدو التصور في واشنطن أن تصبح دمشق على قطيعة مع موسكو غير واقعي.
محمد عبد الرحيم
صحفي سوري
عقب سقوط نظام الأسد، حملت الوفود الأوروبية القادمة إلى سوريا الجديدة عددًا من المطالب، أبرزها إخراج روسيا من سوريا كليًا.
منسق الحكومة الألمانية لشؤون سوريا، توماس ليندنر، قال إن الوجود العسكري الروسي في سوريا “له آثار أوسع على أمن أوروبا”.
ترى الباحثة الفرنسية دوروثي شميد (Dorothée Schmid)، أن رفض الأوروبيين للوجود الروسي في سوريا يعود إلى عدة عوامل أبرزها تهميشهم في “الصراع السوري” الذي جسدته روسيا.
وباعتقاد الباحثة الفرنسية، فإن تجاهل التعليق على لقاء الشرع وبوتين من قبل أوروبا، يعود إلى “جهل الأوروبيين الحالي بالتوازن الجيوسياسي المحيط بسوريا” ونظرة سلبية للنظام السوري الجديد أو “نظرة حذرة للغاية”.
شميد أرجعت تجاهل أوروبا للتقارب السوري- الروسي إلى نوع من “قصر النظر الاستراتيجي” الذي يكرسه بوتين نفسه.
وبسؤالها عما إذا كان هناك موقف مشترك أو رؤية للموقف من دول مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، أجابت الباحثة الفرنسية، بأنها لا تعتقد أن هناك موقفًا أوروبيًا مشتركًا بشأن عودة روسيا إلى سوريا.
وبالنسبة لفرنسا، ترى الباحثة أن باريس منشغلة بالوضع الفلسطيني، وهو ما شعرت أنها قد تجد فيه فائدة، بينما لا تزال مترددة في مسألة إعادة إعمار سوريا.
في ألمانيا، التي تعد من أقوى معارضي بوتين داخل الاتحاد الأوروبي، تعتقد الباحثة أن برلين قلقة للغاية بشأن ما يحدث في أوروبا الوسطى والشرقية، و”تنظر إلى الشرق الأوسط بشكل أقل بكثير”.
أما بريطانيا، فوفق تحليل دورثي شميد، فتمر بمرحلة من “الحذر الهيكلي” تجاه سوريا.
أشارت إلى أن الأوروبيين يظلون “لاعبًا هامشيًا” إلى حد ما في هذا المجال، لأنهم يدركون أنهم لا يملكون القرار، ويعتبرون أن المواجهة مع روسيا سوف تدور على الأراضي الأوروبية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة