السبت, 29 نوفمبر 2025 10:30 AM

دير الزور: كارثة بيئية تهدد حياة السكان بسبب حراقات النفط البدائية

دير الزور: كارثة بيئية تهدد حياة السكان بسبب حراقات النفط البدائية

عمر عبدالرحمن – دير الزور

في بلدة الشعفة بريف دير الزور الشرقي، تعيش أم عبد الله وأطفالها في غرفة متواضعة، محاصرين بدخان النفط ورائحة الكبريت. الهواء الملوث يخنقهم يومياً، ويجعل التنفس صعباً، مما يجعل الليل والنهار سواء. هذه الكارثة البيئية والصحية تهدد حياة الآلاف في المنطقة، حيث تنتشر "الحراقات البدائية" التي تحرق النفط الخام وتطلق السموم في الهواء.

حراقات النفط البدائية: مصدر السم اليومي

مع تعطل عمليات استخراج النفط، لجأ السكان إلى حرق النفط الخام بطرق بدائية. ورغم أن الهدف هو استخلاص مشتقات النفط، إلا أن هذه العملية تطلق كميات هائلة من الغازات السامة والجسيمات الدقيقة التي تلوث الهواء والتربة والمياه، وتسبب أمراضاً تنفسية وجلدية خطيرة، خاصة بين النساء والأطفال. الفقر يزيد من تفاقم المشكلة، حيث يضطر السكان للعمل في هذه البيئة الخطرة. الجهات المسؤولة تقدم وعوداً بالحلول، لكن الوضع يبقى على حاله. تقول أم عبد الله: "حياتنا أصبحت رهينة لهذا الدخان الأسود".

تروي أم عبد الله، البالغة من العمر 50 عاماً، قصتها بصوت متعب: "لم نعد نستطيع تمييز النهار من الليل. رائحة الكبريت والمواد المحترقة تخيم على بيتنا وعلى قلوبنا. في الليالي التي تهب فيها الرياح باتجاه مدينتنا يصبح الهواء ثقيلاً لدرجة أننا نختنق ونضطر إلى إغلاق النوافذ والأبواب وكأننا في غرفة غاز". وتشير إلى ابنتها المراهقة المصابة بالربو: "كانت من أفضل طالبات في مدرستها، لكنها الآن تغيب أيامًا متتالية بسبب ضيق التنفس والربو الذي شخصه الطبيب. الأدوية باهظة الثمن ولا تكفي. جاراتي كثيرات يعانين أمراض جلدية وحساسية في العيون. نسأل الله أن يحفظ أطفالنا، ولكن إلى متى؟ نحن محاصرون ولا نملك المال لننتقل إلى مكان آخر، وهنا يتهددنا الموت البطيء كل يوم".

بين نار المرض ونار الجوع

عبود السلطان، صاحب حراق نفط بدائية من بلدة ذيبان، يعترف: "أعرف أن ما أفعله يسبب ضرراً للناس وأن الدخان سام، ولكن بعد الحرب اختفى العمل. هذه الحراقات هي مصدر رزق عائلتي المكونة من أربعة أفراد. أنا لست تاجراً كبيرًا، بل مجرد شخص يحاول العيش. مئات الحراقات في بلدتنا تعيش منها مئات العوائل لا حول لهم ولا قوة. لم يجدوا أي عمل آخر". ويواصل حديثه: "أحاول أحيانًا تشغيل الحراقات ليلاً عندما يكون الناس نائمين لتقليل الضرر، ولكن الطلب على المازوت والبنزين كبير ولا يمكنني تأجيل العمل. إذا قدمت لنا الدولة أو المنظمات الدولية تقنيات أقل تلويثًا، سنكون أول من يلتزم. لكن إن طلب مني إغلاق مصدر رزق أطفالي الوحيد، هذه معضلة أكبر من خطر الدخان. الجميع هنا بين نارين: نار المرض ونار الجوع".

الأبعاد الصحية: جريمة بيئية

فؤاد الصالح، وهو ناشط بيئي وصحي من أبناء ريف دير الزور، يؤكد: "ما يحدث في ريف دير الزور هو جريمة بيئية وصحية بمعنى الكلمة. الغازات المنبعثة من الحراقات والآبار ليست مجرد دخان مزعج، إنها خليط قاتل من أول أكسيد الكربون، ثاني أكسيد الكبريت، كبريتيد الهيدروجين، ومركبات عضوية متطايرة مثل البنزين، بالإضافة للجسيمات الدقيقة التي تخترق الرئة وتصل إلى مجرى الدم". ويضيف: "التأثير الصحي مرعب: نحن نسجل حالات متزايدة من الربو الحاد، التهابات الرئة المزمنة، السرطانات في الحنجرة والرئة خاصة بين الأطفال. هناك تأثيرات على النساء الحوامل، حيث رصدت المشافي حالات إجهاض وتشوهات خلقية. المشكلة أن التأثير تراكمي، فحتى لو اختفى التلوث اليوم ستظهر آثار هذه السموم بعد سنوات. هنا غياب تام للرصد البيئي وعدم وجود مستشفيات مجهزة للعلاج لهذه الأمراض المزمنة".

المجتمع الدولي يتجاهل هذه الكارثة لأنها بطيئة ولا تظهر كصور لضحايا القصف، لكن عدد الضحايا على المدى الطويل سيفوق أي حرب. المسؤول المحلي أحمد السعيد في مكتب البيئة التابع للحكومة السورية يوضح: "نحن نعترف بخطورة المشكلة ونعاني منها كما يعالج الجميع، لكن إمكانياتنا محدودة جداً. لا نملك السلطة لإغلاق الحراقات قسراً، لأن ذلك سيؤدي إلى انفجار اجتماعي حيث تعتمد آلاف العائلات على هذا القطاع غير الرسمي. الحل ليس بسيطًا، ويتطلب توفير بدائل اقتصادية حقيقية، تقنيات أقل تلويثًا، وإنشاء مناطق صناعية بعيدة عن التجمعات السكانية". ويضيف: "جهودنا في مراقبة جودة الهواء مستمرة، لكن التنفيذ لا يزال بطيئاً. هناك محاولات مع منظمات دولية لدراسة إنشاء مناطق صناعية بعيدة عن السكان، لكنها تتطلب تمويلاً كبيراً وإرادة سياسية. الحملات التوعوية وتوزيع الكمامات مجرد مسكنات لا تعالج جوهر المشكلة".

البعد البيئي والهندسي

من الناحية الهندسية، الكارثة مضاعفة: "حراقات النفط البدائية: تحرق الوقود بشكل غير كامل، ما يؤدي لانبعاثات أعلى بمئة مرة من المنشآت الصناعية الحديثة. الغاز المصاحب: ليس مجرد هدر للثروة الطاقية، بل مصدر رئيسي للغازات الدفيئة، مع مساهمة السخام الأسود المعروف بالكربون الأسود في تغيير المناخ مباشرة".

مأساة سكان ريف دير الزور نموذج صارخ لكيفية تحول السكان وخاصة النساء والأطفال إلى ضحايا لكوارث بيئية تهدد الأمن الصحي للأجيال القادمة. المشكلة ليست فقط في الدخان، بل تمتد إلى جذورها الاقتصادية والاجتماعية العميقة. ولا يمكن معالجة الأسباب دون اتخاذ إجراءات فورية. الوقت ينفد، وكل يوم يمر دون حل هو يوم آخر من المعاناة التي تخترق أحلام وأرواح سكان المنطقة. بين الحراقات والدخان، يعيش السكان معركة بقاء صامتة، محاصرين بين نار المرض ونار الجوع، والهواء نفسه أصبح عدواً قاتلاً.

تحرير: معاذ الحمد

مشاركة المقال: