الأحد, 30 نوفمبر 2025 01:54 PM

تصعيد خطير في بيت جن: إسرائيل تتوغل وتداعيات على المفاوضات السورية

تصعيد خطير في بيت جن: إسرائيل تتوغل وتداعيات على المفاوضات السورية

أشعلت الاشتباكات التي وقعت بين شبان من بلدة بيت جن في ريف دمشق والقوات الإسرائيلية فجر الجمعة 28 تشرين الثاني، مسار الأحداث في الجنوب السوري. فقد استمرت إسرائيل في توغلاتها دون ردود فعلية تذكر، باستثناء اشتباكات سابقة مع أهالي بلدتي نوى وكويا في ريف درعا.

وردت القوات الإسرائيلية على المقاومة المحلية بقصف مدفعي ثقيل، مما أسفر عن سقوط 13 قتيلاً و24 جريحًا، بالإضافة إلى إصابة ستة ضباط إسرائيليين بجروح متفاوتة. كما تسبب القصف في تدمير عدد من المنازل ونزوح الأهالي من بيت جن إلى المناطق المجاورة.

يأتي هذا التصعيد بعد سلسلة من الإجراءات التصعيدية التي اتخذتها إسرائيل، بدءًا من زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى المنطقة العازلة في الجنوب، مرورًا بتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، حول وجود قوات، منها "جماعة الحوثيين" اليمنية، وهو ما وصفه السفير السوري، إبراهيم علبي، بأنه "ضرب من الخيال".

يناقش هذا التقرير آثار هذا التصعيد على ملف المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، وكيفية الرد السوري عليه، في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية منذ سقوط نظام الأسد حتى الآن.

إدانات واسعة: جريمة حرب مكتملة الأركان

أدانت وزارة الخارجية السورية ما وصفته بـ"الاعتداء الإجرامي" الذي قامت به دورية إسرائيلية بتوغلها في بلدة بيت جن بريف دمشق والاعتداء على المدنيين وممتلكاتهم. وأكدت الوزارة أن استهداف بلدة بيت جن بـ"قصف وحشي ومتعمد يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان"، بعد أن ارتكبت القوات الإسرائيلية "مجزرة مروعة" راح ضحيتها أكثر من عشرة مدنيين بينهم نساء وأطفال، وتسببت بحركة نزوح كبيرة نتيجة استمرار القصف الهمجي والمتعمد على منازل الآمنين، وفق البيان.

كما أدانت عدد من الدول والمنظمات الهجمات الإسرائيلية على بلدة بيت جن في ريف دمشق، بينها بريطانيا وتركيا والكويت وجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة وقطر والأردن، وحركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي" الفلسطينيتان وجماعة "الإخوان المسلمين" في سوريا.

بررت إسرائيل هجومها على البلدة بأنها كانت تقبض على عناصر من "الجماعة الإسلامية" (حركة لبنانية)، وقالت هيئة البث الإسرائيلية (كان)، إن "الجماعة" تمتلك أسلحة في بيت جن وتعمل على "تجنيد الإرهابيين وتحديد مواقعهم"، وتلعب دورًا محوريًا في المعركة الشمالية كقوة مستقلة خلال الحرب على جبهة لبنان.

بينما نفت "الجماعة الإسلامية" صلتها بالأحداث، واستنكرت زج اسمها بأي عملية خارج لبنان.

تأثير على الاتفاق مع سوريا

نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية عن مسؤولين أمنيين لم تسمِّهم، أن حادثة بيت جن التي وصفوها بـ"الخطيرة" تبيّن أن على إسرائيل عدم السماح لما سموها "عناصر معادية" بالتمركز في محيطها. وتظهر هذه الحادثة، بحسب المسؤولين، أنه "لا يمكن التوصل إلى اتفاق في الوقت الحالي، لأن سوريا دولة غير مستقرة".

وقال المسؤولون، إن الأهم من ذلك كله، أن حادثة بيت جن تُبيّن أننا كدولة لا يجب أن ننسحب من الأراضي التي استولينا عليها، وخاصة من جبل الشيخ.

في 27 تشرين الثاني الحالي، ساق وزير الدفاع الإسرائيلي ذات الحجة المتعلقة بوجود مقاتلين على الحدود، مستبعدًا التوصل لاتفاق مع سوريا. وفي نقاش سري للجنة الشؤون الخارجية والدفاع الإسرائيلي، قال كاتس، إن إسرائيل "ليست على الطريق الصحيح" نحو السلام مع سوريا، مرجعًا ذلك إلى وجود قوى داخل حدودها تفكر في "غزو" بري لتجمعات سكانية في الجولان، بحسب ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية.

يرى الباحث السوري سمير العبد الله، أن إسرائيل تسعى في المرحلة الراهنة إلى فرض "أمر واقع" على السوريين، وتثبيت سيطرتها في المناطق التي توغلت داخلها عقب سقوط نظام الأسد، كما تحاول رفع سقف مطالبها في المفاوضات الجارية بين الجانبين بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب.

واعتبر العبد الله، في حديث إلى عنب بلدي، أن الحسابات الداخلية في إسرائيل تلعب دورًا مهمًا في هذا السلوك، إذ يسعى رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، إلى الهروب إلى الأمام وإبقاء الساحة في جنوبي سوريا وجنوبي لبنان مفتوحة أمام التدخلات الإسرائيلية، مستغلًا ضعف سوريا في هذه المرحلة، إضافة إلى المناخ الدولي الداعم لإسرائيل بعد عملية "طوفان الأقصى" في تشرين الأول 2023.

ويهدف نتنياهو من ذلك إلى الظهور بمظهر "البطل" داخل إسرائيل، وإلى إبعاد نفسه عن المساءلة والمحاكمة التي يواجهها، بحسب الباحث. ورغم أن المفاوضات لا تزال تراوح مكانها، وفق الباحث، فإن هذه التوغلات ستلقي بظلالها عليها، سواء من حيث دفع الموقف السوري إلى مزيد من التشدد، أو من حيث احتمال ممارسة الولايات المتحدة ضغوطًا على إسرائيل خشية انزلاق الوضع نحو تصعيد إقليمي.

في المقابل، ستسعى إسرائيل إلى استغلال تفوقها العسكري لفرض شروطها على طاولة التفاوض، وفق اعتقاد الباحث. ويتفق الباحث في المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع معتز السيد، مع ما قاله العبد الله، وقال إن هذا التطور يضع إسرائيل تحت ضغط متزايد في الأمم المتحدة، حيث يُنظر إلى استهداف المدنيين كجريمة حرب، ويعقّد أي مسار تفاوضي مع سوريا عبر تعزيز صورة إسرائيل كطرف يفرض شروطه بالقوة ويخرق قواعد الاشتباك المتفق عليها.

سفير سوريا في الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، قال في مقابلة مع قناة "الحدث" السعودية، في 28 تشرين الثاني الحالي، إن سوريا تتفاوض مع إسرائيل من "منطق قوة لا منطق ضعف" مستخدمة الضغط الدبلوماسي وما سماه ضبط النفس العسكري، مشيرًا إلى مواجهة إسرائيل بالعزلة الدبلوماسية.

ما طريقة الرد؟

عند سؤال السفير إبراهيم علبي عن الرد السوري على ما قامت به إسرائيل قال، "نحن في الخارجية السورية نستخدم كل الطرق الدولية والطرق الدبلوماسية للضغط على إسرائيل من أجل أن تشعر هي بالعزلة وتعود إلى طاولة المفاوضات، كما يجب أن يضغط عليها حلفاؤها".

ويرى الباحث في المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع معتز السيد، أن المواجهة الواسعة بين سوريا وإسرائيل بعيدة، إن لم تكن مستحيلة في الظروف الحالية. ويعتقد السيد أن إسرائيل لا تزال تدرك أن المنطقة لا تحتضن مقاومة منظمة، ولذلك تدخل بثقة على أساس أنه لا يوجد أي رد.

لكن مع تكرار التوغلات ومحاولات الاعتقال، قد تتكرر الاشتباكات الشعبية كرد فعل دفاعي، وهو ما لا تريده إسرائيل، بحسب الباحث الأمني، حيث يرى أن إسرائيل تسعى لتجنب تحول هذه الاحتكاكات إلى نمط دائم.

وقال الباحث، إن استمرار سقوط ضحايا مدنيين قد يفرض تغييرًا في استراتيجية التوغلات، إذ إن الدفاع المحلي المتكرر يمكن أن يخلق بيئة مقاومة جديدة، حتى لو كانت غير منظمة، ما يرفع مستوى المخاطرة لإسرائيل ويزيد احتمالية توسع المواجهة تدريجيًا في بلدات أخرى.

توقع الباحث السوري سمير العبد الله، أن تواجه الحكومة السورية خلال الفترة المقبلة ضغوطًا شعبية متزايدة للرد على هذه الانتهاكات الإسرائيلية، وقد يتطور هذا الضغط إلى مبادرات شعبية تتجاوز موقف الحكومة، بما في ذلك محاولات تنظيم استعدادات محلية لمواجهة الاعتداءات.

وتكمن خطورة هذا السيناريو في احتمال استخدامه من قبل إسرائيل كذريعة لمواصلة عملياتها العسكرية، بذريعة التصدي لـ"مسلحين" يهددون أمنها، وفق العبد الله. لذلك، يرى الباحث السوري أن من الضروري أن تعمل الحكومة السورية على تنسيق المواقف الرسمية والشعبية بما يضمن عدم منح إسرائيل أي مبرر إضافي للاستمرار في اعتداءاتها، مع التركيز على استخدام القنوات السياسية والدبلوماسية، واستثمار المسار التفاوضي للضغط باتجاه وقف هذه الانتهاكات.

مشاركة المقال: