الأحد, 30 نوفمبر 2025 04:39 PM

سوريا تحت وطأة النفايات: عقد من الإهمال يفتح الباب أمام مشاريع التدوير المستدامة

سوريا تحت وطأة النفايات: عقد من الإهمال يفتح الباب أمام مشاريع التدوير المستدامة

عنب بلدي – كريستينا الشماس: تتفاقم مشكلة النفايات في سوريا عامًا بعد عام، لتتحول من مجرد خدمة تقليدية إلى أزمة بيئية وصحية تؤثر بشكل مباشر على حياة السكان اليومية. ومع ضعف إمكانيات البلديات، وغياب أنظمة جمع النفايات الفعالة، وتراكم المكبات العشوائية، بالإضافة إلى حرق النفايات المتكرر في الهواء الطلق، أصبحت المخاطر البيئية والصحية واضحة في المدن والبلدات السورية.

بينما تتجه العديد من الدول نحو إعادة التدوير كقطاع اقتصادي واعد يخلق فرص عمل وموارد مستدامة، لا تزال سوريا بعيدة عن اتخاذ أي خطوات جادة في هذا الاتجاه، مما يزيد الفجوة بين حجم النفايات والقدرة على إدارتها. على مر السنين، تابعت عنب بلدي هذا الملف من زوايا مختلفة، بدءًا من تدهور خدمات النظافة، وصولًا إلى المبادرات الفردية التي تسعى إلى تحويل النفايات إلى مورد اقتصادي في ظل غياب أي رؤية رسمية متكاملة. وقد سلطت هذه المتابعة الضوء على عمق المشكلة وتعقيدها، وكذلك حجم الفرص الضائعة بسبب غياب مشاريع تدوير منظمة يمكن أن تساهم في التخفيف من الأزمة المتفاقمة.

غياب النظرة الاستثمارية والدعم الحكومي

على الرغم من أن قطاع النفايات يعتبر في العديد من الدول رافدًا اقتصاديًا هامًا، إلا أن النظرة الرسمية في سوريا لا تزال محصورة في إطار إداري تقليدي، ولا تتعامل مع النفايات كمورد اقتصادي قابل للاستثمار، بل كعبء يجب التحكم به. هذا الواقع أدى إلى تحويل مشاريع التدوير إلى مبادرات فردية صغيرة تعتمد على الجهود الذاتية، في ظل غياب التشريعات المشجعة، أو الدعم الحكومي، أو أي بيئة تنظيمية تسمح بنموها.

غيث شربجي، مدير ومؤسس شركة "كوكب ريسايكل" لإعادة التدوير في مدينة داريا بريف دمشق، تحدث لعنب بلدي عن تجربته في قطاع تدوير النفايات، والتي بدأت بعد مغادرته سوريا عام 2015 متوجهًا إلى فرنسا. هناك، بدأ بالبحث عن مهنة يمكن أن تساهم في إعادة بناء سوريا يومًا ما، ليقوده ذلك إلى قطاع النفايات باعتباره أحد المسارات السريعة والفعالة لدعم المدن المتضررة.

في فرنسا، بدأ شربجي بتطوير تطبيق باسم "كوكب"، موجه للعاملين في جمع الخردة والمواد القابلة لإعادة التدوير، لمساعدتهم على إيجاد المواد المطلوبة بسرعة وزيادة دخلهم اليومي. وبعد عودته إلى سوريا، حاول نقل التجربة التقنية، إلا أن ضعف البنية التكنولوجية وغياب البنية التحتية المناسبة حالا دون تنفيذ الفكرة، فاتجه إلى تأسيس مركز عملي لإعادة التدوير في داريا يعتمد على شراء وفرز البلاستيك والكرتون والنايلون وبعض المعادن.

يحاول شربجي تقديم أسعار مجدية لجامعي النفايات لتشجيعهم على البيع، على الرغم من محدودية الموارد وضعف البيئة التنظيمية. ويرى أن الدولة تنظر إلى النفايات بوصفها "مخزونًا يجب احتكاره"، بدلًا من اعتبارها موردًا اقتصاديًا يمكن أن يخلق فرص عمل ويخفف أعباء البلديات، معتبرًا أن هذه العقلية عطلت نمو أي صناعة حقيقية للتدوير خلال العقود الماضية.

وأوضح شربجي أن التواصل مع الجهات المحلية "قائم لكنه ضعيف وغير فعال"، ولا توجد مبادرات لدعم مشاريع التدوير أو توفير بيئة استثمارية مناسبة. ويرى أن مؤسسات الدولة لا تزال تتعامل مع ملف النفايات بعقلية إدارية مغلقة، لا بوصفه قطاعًا اقتصاديًا منتجًا، إلى جانب اعتماد مشاريع القطاع العام أنظمة قديمة تمنع القطاع الخاص من الدخول بفاعلية، مع احتكار بعض المسارات التجارية المرتبطة بالنفايات والمعادن.

منع التصدير.. عقبة تخنق قطاع التدوير

أشار غيث شربجي، مدير ومؤسس شركة "كوكب ريسايكل" لإعادة التدوير في مدينة داريا بريف دمشق، إلى أن واحدة من أكبر العقبات أمام عمل شركات إعادة التدوير هي منع تصدير المواد المعالجة. وأوضح أنه على الرغم من شراء النفايات وفرزها ومعالجتها بتكاليف عالية، تُمنع الشركات الخاصة من التصدير، إلا عبر سلسلة طويلة من الموافقات "شبه المستحيلة"، بحسب تعبيره.

ووصف شربجي بيع المواد داخل سوريا لتجار محددين بـ"الاحتكار المقنّع" الذي يعطل نمو هذا القطاع، ويمنع الشركات من تغطية نفقاتها أو توسيع نشاطها. واعتبر أن هذا المنع يشكل "ضربة قاسية" للمشاريع الصغيرة، التي تعتمد على التصدير باعتباره مصدرًا أساسيًا للعائدات، في ظل غياب سوق محلية قادرة على استيعاب المواد المعاد تدويرها، أو دفع أسعار تعادل تكاليف المعالجة.

ما الحل؟

على الرغم من حجم التحديات، يرى غيث شربجي، مدير ومؤسس شركة "كوكب ريسايكل" لإعادة التدوير في مدينة داريا بريف دمشق، أن الحلول ممكنة إذا جرى التعامل مع قطاع النفايات بعقلية اقتصادية لا إدارية. ويرى أن نقطة البداية يجب أن تكون من "النبع"، أي من المنزل والمدرسة والمؤسسات العامة، عبر اعتماد نظام بسيط للفرز الأولي داخل المنازل، يقوم على حاويتين فقط، واحدة للنفايات العضوية والمبللة، وأخرى للمواد القابلة لإعادة التدوير كالورق والبلاستيك.

وأشار إلى أن هذا النظام يمكن أن يخفف نصف حجم النفايات، ويسهل على القطاع الخاص جمع المواد القابلة للبيع مستقبلًا عبر تطبيقات تقنية. كما تحدث عن أهمية بناء الوعي البيئي في المدارس، معتبرًا أن تغيير سلوك الجيل الأكبر سنًا صعب، بينما يمكن تأسيس ثقافة فرز النفايات لدى الجيل الجديد بسهولة أكبر.

ويرى شربجي أن الحل الواقعي على المدى القريب هو تسليم إدارة ملف النفايات للقطاع الخاص عبر مناقصات رسمية، خاصة مع اعتراف البلديات بنقص العمالة والآليات. وقال إن الشركات الخاصة قادرة على إدارة مساحات واسعة بكفاءة متى توفرت البيئة القانونية المناسبة.

يعتبر شربجي أن إيمانه بأهمية إعادة إعمار سوريا هو الدافع الرئيس للاستمرار في مشروعه بإعادة تدوير النفايات، مبينًا أن كل ما قام به من مشاريع وتجارب في فرنسا كان بهدف العودة إلى سوريا والمساهمة في إعادة بنائها من جديد. وبحسب رأيه، فإن قطاع التدوير يحمل إمكانات اقتصادية واجتماعية كبيرة لم تُستثمر بعد.

من الحلول المستدامة لإدارة النفايات، بحسب تقرير للدكتورة إليزابيث جرين الخبيرة في البيئة والاستدامة، على موقع "Sigmaearth" (منصة الاستدامة الشاملة المخصصة لخلق مستقبل أكثر اخضرارًا واستدامة)، هي: فصل المصدر وإعادة التدوير، ويعني فصل الأشياء التي يمكنك إعادة تدويرها عن الأشياء التي لا يمكن استخدامها في المكان الصحيح. السماد، وهي ممارسة صديقة للبيئة تعود بفوائد عدة، والأمر يتعلق بأخذ النفايات العضوية، مثل بقايا المطبخ، وقصاصات الفناء، وبقايا المحاصيل، وتحويلها إلى تربة غنية بالمغذيات. تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة، وهناك طريقتان شائعتان هما الحرق (طريقة ذكية للتخلص من النفايات وفي نفس الوقت توليد الطاقة) والهضم اللاهوائي (ويشبه إعادة التدوير في الطبيعة). مبادرات الاقتصاد الدائري، وهو الاستمرار في استخدام المنتجات والمواد وإعادة تدويرها بشكل متكرر، ويتعلق الأمر بإعادة التفكير في كيفية الاستهلاك والإنتاج. الأنظمة الذكية لإدارة النفايات، وتعني استخدام وتطويع الأجهزة المتطورة للحد من انتشار النفايات، مثل أجهزة استشعار خاصة وأجهزة كمبيوتر تراقب مدى امتلاء صناديق القمامة، ما يمنع القمامة من التراكم وإحداث الفوضى في الأحياء.

مشاركة المقال: