المكتبة الوطنية بدمشق: كنوز المخطوطات السورية ورحلة نحو الرقمنة


هذا الخبر بعنوان "المكتبة الوطنية بدمشق.. حارس المخطوطات السورية بين التراث والتحول الرقمي" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ كانون الأول ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: تعتبر المكتبة الوطنية في دمشق صرحاً ثقافياً بارزاً، فهي تحوي بين جدرانها كنوزاً من المخطوطات والكتب النادرة التي تجسد ذاكرة حضارية ومعرفية عريقة. وتكتسب المخطوطات أهمية محورية في عمل المكتبة، إذ تمثل المصدر الأساسي للمعرفة التاريخية والفكرية والثقافية، وتساهم في دراسة التجارب الإنسانية وتعزيز الهوية الحضارية السورية. ومع التطور الرقمي، أصبح الحفاظ على هذه المخطوطات وإتاحتها رقمياً أولوية قصوى لضمان استمرارية هذا الإرث الثمين وحمايته من التلف.
في حوار مع سانا، أوضحت مديرة مديرية المخطوطات بالمكتبة، فاطمة درويشة، طبيعة عمل المديرية وآليات حفظ هذا الإرث وصيانته وإتاحته للباحثين في ظل متطلبات العصر الرقمي. وأشارت إلى أن المديرية تتألف من قسمين رئيسيين هما: الحفظ والفهرسة التراثية، ويعملان بتكامل لإدارة هذا الإرث العلمي والثقافي.
يبلغ رصيد المكتبة من المخطوطات حوالي 19400 مخطوط، بحسب فاطمة درويشة، بالإضافة إلى نحو 3600 كتاب نادر. وتتيح قاعة المخطوطات الاطلاع على الفهارس المتخصصة والصور الرقمية، مما يمكن الباحثين وطلاب الدراسات العليا من إجراء بحوثهم دون الحاجة إلى التعامل المباشر مع النسخ الأصلية.
ومن بين أقدم المخطوطات التي تحتفظ بها المكتبة، ذكرت درويشة مخطوط مسائل الإمام أحمد بن حنبل، الذي لا يحمل تاريخ نسخ صريح، ولكنه يضم سماعاً يعود إلى سنة 266 للهجرة، مما يرجح أن نسخه تم قبل هذا التاريخ. كما تضم المكتبة مخطوط صفة النار لابن أبي الدنيا سنة 310 للهجرة، وورقات من سور القرآن الكريم مكتوبة على رَقّ الغزال تعود إلى القرن الثاني الهجري، بالإضافة إلى نسخة من شرح ديوان الفرزدق سنة 331 للهجرة.
وتحتوي المكتبة أيضاً على مخطوطات خزائنية، كانت محفوظة في خزائن الملوك والسلاطين، مثل مخطوط الشجرة المحمدية للجواني بنسخة خزائنية بإيعاز من السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة 645 للهجرة، والحزب الأعظم والورد الأفخم للملا علي القاري، وهي نسخة فاخرة مذهبة وملونة تعكس عناية خاصة في التنفيذ والزخرفة.
تعتمد المكتبة، وفقاً لدرويشة، على نظام تصنيف رقمي وموضوعي خاص بالمخطوطات، يسهل على الباحث الوصول إليها وفق التخصص العلمي أو الموضوعي. وقد تمت رقمنة جميع المخطوطات، لتصبح متاحة للباحثين ضمن إجراءات إدارية تضمن صون الأصول.
وأوضحت درويشة أن المكتبة توفر خدماتها للباحثين وطلاب الدراسات العليا داخل سوريا وخارجها، من خلال تصوير المواد المطلوبة ضمن خطة تراعي حماية الأصول وتنظيم العمل، وتطوير منصة إلكترونية داخلية للوصول إلى النسخ الرقمية، كما تجري دراسة إمكانية توسيع إتاحة المنصة للمهتمين خارج المكتبة ضمن ضوابط حماية صارمة.
للمكتبة علاقات تعاون سابقة مع مراكز بحثية متخصصة دولية معنية بالمخطوطات مثل مركز جمعة الماجد ومركز البابطين. وذكرت درويشة أن الإدارة الحالية للمكتبة تعمل على إعادة إحياء هذه العلاقات، بالإضافة إلى تبادل صور المخطوطات الرقمية مع الباحثين داخل سوريا وخارجها.
وأشارت إلى التحديات التي تواجه المكتبة حالياً، وأبرزها محدودية الإمكانات المادية، وعدم توافر أجهزة حديثة لمواكبة تقنيات الحفظ والترميم والرقمنة، مع الحاجة إلى تجهيزات خاصة لضمان أعلى معايير الأمان والبيئة المناسبة للمخطوطات.
حول الإجراءات التي تتبعها مديرية المخطوطات لرفع حالة الأمان في محتوياتها، كشفت درويشة عن مساع جارية لتوفير خزائن إلكترونية مضادة للحريق وأجهزة لرش غازات آمنة للمخطوطات، واستكمال مشروع إتاحة المخطوطات الرقمية للمستخدمين والباحثين بطريقة منظمة وآمنة، بحيث يمكن الاطلاع على الصور الرقمية للمخطوطات دون الحاجة للتعامل المباشر مع النسخ الأصلية.
وأكدت درويشة أن القيمة الحقيقية للمخطوط الورقي لا يمكن الاستغناء عنها، وأن التحول الرقمي ليس بديلاً عنه، بل وسيلة لإبراز هذا التراث وإتاحته للباحثين دون تعريض الأصول للتلف. وشددت درويشة على أهمية دور الإعلام في ترسيخ ثقافة حماية التراث المخطوط، داعيةً أصحاب المخطوطات الخاصة إلى إحضارها إلى المكتبة لضمان حفظها وتوثيقها للأجيال القادمة.
ووجهت درويشة في ختام حديثها رسالة للباحثين الجدد في مجال المخطوطات، مفادها أن هذا التراث أمانة مشتركة تتطلب عملاً مخلصاً لإخراجها إلى النور، ومن أجل ذلك تعمل المكتبة على تهيئة كل التسهيلات اللازمة لإنجاز البحوث والدراسات التي تعكس غنى الثقافة السورية وعمقها الحضاري.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة