اليونان تسعى لعرقلة الاتفاق البحري الليبي التركي: تحديات دبلوماسية وانقسامات ليبية


هذا الخبر بعنوان "هل تنجح اليونان في عرقلة التمدّد التركي على ساحل ليبيا؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ كانون الأول ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُكثف اليونان جهودها الدبلوماسية لمواجهة التمدد التركي على الساحل الليبي، وتحديداً اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقّع بين طرابلس وأنقرة عام 2019. ورغم أن هذا الاهتمام اليوناني يبدو متأخراً، إلا أنه يشكل أولوية في سياستها الدبلوماسية ويواجه تحديات جمة.
شهد النصف الثاني من العام الجاري حراكاً دبلوماسياً يونانياً مكثفاً تجاه ليبيا، تزامن مع مناقشة قادة شرق ليبيا لإمكانية تمرير الاتفاقية. وقد استهل وزير الخارجية اليوناني جورجيوس جيرابيتريتيس هذا الحراك بزيارة شطري ليبيا ولقاء المسؤولين المتحكمين في السلطة شرقاً وغرباً. تلتها بعد نحو شهرين زيارة وزير خارجية حكومة طرابلس الطاهر الباعور إلى أثينا، ثم زيارة رئيس أركان “الجيش الوطني” ونجل قائده خالد حفتر، وصولاً إلى زيارة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح الذي التقى هذا الأسبوع في العاصمة اليونانية نظيره نيكيتاس كاكلامانيس والوزير جيرابيتريتيس.
مع كشف وسائل إعلام يونانية تفاصيل المحادثات، تبيّن وجود فجوة عميقة بين مواقف الجانبين. فقد نُقل عن رئيس البرلمان اليوناني دعوته عقيلة صالح إلى عدم التصديق على اتفاق ترسيم الحدود مع تركيا، مطالباً بإلغائه نهائياً “بما يصبّ في مصلحة ليبيا أولاً ثم اليونان”. وكرر وزير الخارجية اليوناني رفض بلاده للاتفاق الموقّع عام 2019، لأنه – بحسب قوله – “يتداخل مع الجزر اليونانية ومناطقها الاقتصادية الخاصة، وبالتالي ينتهك قانون البحار الدولي”.
من جهتها، سارعت حكومة شرق ليبيا “الموازية” إلى الرد على تصريحات المسؤولين اليونانيين، ووصفتها بأنها “استفزازية”، مطالبةً إياهم بـ”الكف عنها واحترام سيادة ليبيا”. وأعلنت استدعاء القنصل اليوناني لدى ليبيا أثاناسيوس أناستوبولوس ونائبته للاحتجاج. وشنّ رئيس الحكومة أسامة حماد هجوماً حاداً على ما وصفه بـ”ممثلي السلطة في اليونان الذين يرتهن قرارهم لإرادة الدول المانحة والمقرضة والمؤسسات المالية الدولية”، متسائلاً: “كيف يتجرؤون على توجيه إملاءات للسلطة التشريعية الليبية؟”. وتكشف تصريحات حماد بوضوح حجم الصعوبات التي تواجهها أثينا في محاولة اختراق الحواجز التي نشأت عبر سنوات طويلة، والعمل على تحسين علاقاتها بليبيا.
في المقابل، ألمح حماد إلى التقارب الناشئ بين سلطة شرق ليبيا وأنقرة، مؤكداً أن بلاده “لا تقبل المساس بحقوقها البحرية أو التشكيك في اتفاقياتها الثنائية المشروعة، ولا تسمح لأي طرف خارجي بالتدخل في خياراتها القانونية والدبلوماسية التي تخدم مصالح شعبها وتضمن حقوقه التاريخية في شرق المتوسط”. وفي ردّ ضمني على الهجوم الليبي، أكد وزير الخارجية اليوناني خلال مؤتمر صحافي عقده الأربعاء مع نظيره الجزائري أحمد عطاف، أن أثينا “تحترم سيادة ليبيا احتراماً كاملاً”، مشدداً على “دعم بلاده لمسار يُعيد القرار إلى الليبيين عبر انتخابات حرة ونزيهة تُفضي إلى تشكيل حكومة تمثيلية حقيقية، بعيداً عن أي تدخل خارجي”.
يرى الباحث الليبي في القانون الدولي حمزة علي أن “ما يهم اليونان في ليبيا بالدرجة الأولى هو مسألة ترسيم الحدود البحرية”. لكنه يشير إلى “فشل المحاولات الليبية في ظل نظام معمر القذافي في التوصل إلى اتفاق مع أثينا لترسيم الحدود، واستمرار تجاهل اليونان للتفاوض مع ليبيا بعد سقوط النظام”. ويضيف أن “الموقف اليوناني ظلّ متمسكاً بتطبيق مبدأ خط المنتصف، وهو طريقة لتحديد الحدود البحرية بين دولتين متقابلتين، لكن السوابق القضائية لمحكمة العدل الدولية ترفض اعتماد هذا الخط أساساً للترسيم إلا إذا كانت الشواطئ متقاربة في طولها وتضاريس الجرف القاري، وهو ما لا ينطبق على الحالة الليبية – اليونانية، ما يجعل إعطاء جزيرة كريت التأثير نفسه للساحل الليبي أمراً مجحفاً بحقوق ليبيا”.
ويتابع علي: “بدأت محاولات اليونان للتواصل مع ليبيا بعد توقيع اتفاق ترسيم الحدود بين تركيا وليبيا نهاية 2019، حين أدركت أثينا أن الاتفاق المدعوم بالقوة السياسية والعسكرية التركية قد يقوّض استراتيجيتها في شرق المتوسط”. ويشير إلى أنه “بعد سنوات من الصدام بين أنقرة وسلطة شرق ليبيا، نجحت تركيا في تحقيق اختراقات دبلوماسية ونسج علاقات مع السلطات في الشرق، بل وتعاونت عسكرياً مع قيادة الجيش الوطني. ومن هنا نشأ تيار داخل شرق ليبيا ينظر بإيجابية للتعامل مع تركيا”. لكنه يلفت إلى وجود “انقسام داخل إدارة الحكم في شرق ليبيا بين تيار أكثر جرأة على الصعيد الداخلي والدولي ويميل للتقارب مع تركيا، وتيار محافظ يفضّل الحفاظ على التحالفات التقليدية ويتماهى مع المواقف الرافضة لتمرير اتفاق ترسيم الحدود مع أنقرة”.
أما الباحث الليبي في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمد إمطيريد، فيكشف أن زيارة رئيس مجلس النواب إلى أثينا “كانت زيارة دبلوماسية عادية، جاءت بعد وساطة بهدف تشكيل لجنة برلمانية مشتركة تمهّد لبحث ملف ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا واليونان وقبرص”. لكنه يؤكد أن “الكشف المفاجئ لتصريحات المسؤولين اليونانيين شكّل صدمة”، معتبراً أن تسريبها “هدفه إحراج الجانب الليبي”. ويتفق إمطيريد مع ما طرحه حمزة علي، مؤكداً أن “اليونان لطالما تجاهلت ملف ترسيم الحدود مع ليبيا سواء في عهد القذافي أو بعده، وكانت تستغلّ الانقسام الداخلي، لكن بدء مجلس النواب مناقشة الاتفاق مع تركيا الموقّع عام 2019 أقلق أثينا، التي تحاول أخيراً عرقلته”. ويعتقد أن “الأزمة الأخيرة مع اليونان قد تتحول إلى ورقة تفاوضية بيد قادة شرق ليبيا في مسار التقارب مع أنقرة خلال الفترة المقبلة”، مشدداً في الوقت نفسه على قدرة ليبيا على “تحقيق توازن بين تمرير اتفاق ترسيم الحدود مع تركيا والحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع القاهرة”.
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة