المكتبة الوطنية السورية: تحديات ترميم المخطوطات.. حِرفةٌ تمزج العلم والفن لصون الذاكرة المكتوبة


هذا الخبر بعنوان "ترميم المخطوطات… مهنة صون الذاكرة في المكتبة الوطنية السورية" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ كانون الأول ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تفتح المكتبة الوطنية السورية في دمشق باب الذاكرة على مصراعيه عبر ورشات ترميم المخطوطات، حيث يتحول العمل اليومي الدقيق إلى حِرفةٍ متخصصة لحماية كنوز الورق من آثار الزمن، وفعلِ إنقاذٍ صامت لهذا التراث المهدد. وفي حوار مع وكالة سانا، كشفت إيمان الفاعوري، مديرة الإجراءات المساعدة التي تشمل أقسام الترميم والتصوير والمطبعة والتجليد في المكتبة، عن أسرار هذه الحرفة التي تمزج بين العلم والفن، وحدود الممكن في مختبر يواجه نقص الإمكانات، ورهانات الحفاظ على أصالة المخطوطات بوصفها جزءاً حياً من الذاكرة الثقافية.
تحدثت الفاعوري عما أسمته فلسفة الترميم كعلاج يحافظ على أصالة المخطوط، موضحةً آلياته العلمية والفنية. وشددت على أهمية التعقيم كدرعٍ أساسي ضد الميكروبات والحشرات، والتحديات القاسية التي تواجه الفرق المتخصصة، وأساليب التعامل مع أضرار الرطوبة وارتفاع الحرارة. ووفقاً للفاعوري، فإن الترميم هو إجراء علاجي لأوراق المخطوط المتضررة بفعل الزمن، من تشققات وتكسر في الأطراف، بهدف تثبيتها وتقويتها باستخدام مواد وطرائق ملائمة لطبيعتها الورقية دون الإخلال بأصالتها. كما أكدت أنه عملية إصلاح علمية وفنية تعيد المخطوط إلى هيئة قريبة من شكله الأول، مع الحفاظ على قيمته التاريخية وعدم تشويهه أو إضافة ما ليس منه. وشددت الفاعوري على أن تعقيم المخطوطات ضرورة أساسية، كونه يقضي على أشكال الحياة الميكروبية من جراثيم وفطور، إضافة إلى الكائنات الحية كالحشرات التي تشكل أحد أهم أسباب تلف التراث الورقي.
لفتت الفاعوري إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه عمل المديرية نقص المواد الأساسية، وعلى رأسها أوراق الترميم المتخصصة ومواد التعقيم الآمنة المخصصة للمخطوطات، وقلة الكادر المؤهل، قياساً بعدد المخطوطات التي تحتاج إلى ترميم عاجل، ما يفرض ضغطاً كبيراً على فريق العمل. وأضافت أن غياب الأجهزة الحديثة يضاعف زمن إنجاز العمل، فيما يعمل الفنيون في ظروف بيئية غير ملائمة، ولا سيما بعد العدوان الإسرائيلي الذي أثّر في البنية الخدمية للمكان.
تشير الفاعوري إلى أن العمل في المديرية يعتمد على الترميم اليدوي باستخدام مواد مختارة بعناية، منها أنواع من النشاء المحضر بطريقة صحيحة، ومواد لاصقة، وخاصة للصق أوراق الترميم بأوراق المخطوط. كما تصنع أوراق الترميم من ألياف السليلوز الورقية، وتستخدم خيوط متينة للحَبْكة والخياطة، وأصبغة مخصصة لصبغ الجلد، إضافة إلى جلود الماعز الطبيعية، مع أصبغة مخصصة لتلوين الجلود وأصبغة طبيعية لتلوين أوراق الترميم، بما ينسجم مع اللون الأصلي. وتستخدم مواد كيميائية خاصة لتعقيم المخطوطات، إلى جانب الكحول لتنظيف الصفحات بحذر شديد، من دون إدخال تقنيات حديثة واسعة النطاق حتى الآن.
وحول التعامل مع أضرار الرطوبة والحشرات، توضح الفاعوري أن كثيراً من حالات التلف تكون ناجمة عن سوء الحفظ، ولا سيما ارتفاع الرطوبة والحرارة، ما يجعل الورق بيئة ملائمة لنمو الفطور والحشرات. لذلك يجري الحرص على تخزين المخطوطات في أماكن تتراوح فيها الرطوبة ضمن حدود مناسبة، مع الحفاظ على درجة حرارة معتدلة، إلى جانب التعقيم الدوري لمنع انتشار الحشرات. وتبيّن الفاعوري أن بعض المخطوطات المتآكلة بشدة تصبح غير قابلة للإصلاح، بينما تعالج أخرى بحسب درجة الضرر، بإغلاق الفجوات وتقوية الأجزاء الضعيفة.
تكشف الفاعوري أنه لا يوجد في المديرية مختبر متكامل بمعناه العلمي، بل بعض الأجهزة البسيطة لقياس الحموضة وكثافة الورق، وعدد من المواد الكيميائية القديمة، إلى جانب خزانة مخصصة لتعقيم المخطوطات، مؤكدةً أهمية تأهيل كادر جديد متخصص في الترميم داخل القسم. وفي هذا الصدد، أشارت إلى أنه تم تنظيم معسكر تدريبي لمدة شهرين لطلاب المعهد التقني للآثار والمتاحف، تلقوا خلاله تدريبات عملية على بعض مراحل الترميم.
وترى الفاعوري أن مستقبل صيانة المخطوطات في المكتبة الوطنية يرتبط بتأمين المواد المتخصصة، وتحديث التجهيزات، وتهيئة بيئة مناسبة لحفظ المخطوطات. وشددت على أن الاستثمار في تدريب كوادر شابة وتأسيس مختبر حديث للترميم، سيكونان ضمانة حقيقية لاستمرار حماية هذا التراث المخطوط، الذي يشكل جزءاً أساسياً من الذاكرة الثقافية السورية والعربية.
فن وثقافة
فن وثقافة
فن وثقافة
فن وثقافة