رحيل الكاتب والشاعر السوري حسن النيفي: سيرة شعر وسجن ومنفى


هذا الخبر بعنوان "وفاة الكاتب والشاعر حسن النيفي في فرنسا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ كانون الأول ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
فقدت الساحة الثقافية السورية اليوم الخميس 18 من كانون الأول الكاتب والشاعر حسن النيفي، الذي وافته المنية في فرنسا عن عمر يناهز 62 عامًا إثر أزمة صحية. ترك النيفي خلفه إرثًا ثقافيًا وسياسيًا غنيًا، نسجته سنوات الشعر والسجن والمنفى، وشهد على فصول قاسية من تاريخ سوريا المعاصر.
وُلد النيفي في مدينة منبج بريف حلب عام 1963، ونشأ في كنف أسرة ريفية بسيطة ضمن مدينة تتميز بنسيجها الاجتماعي المتنوع الذي يمزج بين الطابعين البدوي والحضري. في هذا المناخ، تفتّح وعيه مبكرًا على الأدب والشعر العربي، ليُكمل دراسته الجامعية في اللغة العربية بجامعة حلب عام 1983. خلال سنته الجامعية الثالثة، وتحديدًا عام 1985، أصدر مجموعته الشعرية الأولى بعنوان "هواجس وأشواق"، وفقًا لما ذكره في مقابلة مع موقع "تاريخي" بتاريخ 20 من أيار 2017.
إلى جانب اهتماماته الثقافية، انخرط النيفي في النشاط السياسي والفكري داخل الجامعة، متأثرًا بأحداث الثمانينات التي وصفها بأنها من أخطر الفترات في تاريخ سوريا. شهدت تلك المرحلة تصاعدًا للعنف والمواجهات بين سلطة الرئيس الراحل حافظ الأسد وتنظيم "الإخوان المسلمين"، وتوسعًا في حملات القمع التي طالت النقابات وقطاعات واسعة من المجتمع. كما عاصر في آذار 1980 حصار مدينة منبج وتمشيطها، وهو ما اعتبره مؤشرًا مبكرًا لمستقبل البلاد.
تكونت لدى النيفي قناعة راسخة بضرورة مواجهة النظام، خاصة في ظل ما رآه "تغوّلًا كاملًا للأجهزة الأمنية في مؤسسات الدولة"، معتبرًا أن السبيل الوحيد لذلك يكمن في الانخراط بالتنظيمات السياسية السرية. انضم النيفي إلى حزب البعث - جناح القيادة القومية المرتبط بالعراق، وواصل نشاطه المعارض حتى اعتقاله عام 1986، بينما كان في سنته الجامعية الرابعة.
تم اعتقال النيفي من السكن الجامعي، وفي حادثة يرويها، طمأنه عناصر الأمن بأنه سيعود بعد "15 دقيقة"، لكن هذه الدقائق تحولت إلى 15 عامًا من الاعتقال. بدأت التحقيقات معه في فرع الأمن السياسي بالسليمانية في حلب، حيث تعرض لتعذيب شديد خلف آثارًا جسدية دائمة، ثم نُقل لاحقًا إلى سجن حلب المركزي.
في عام 1991، صدر عفو رئاسي شمل المعتقلين السياسيين في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد. يصف حسن النيفي هذا العفو بأنه "مساومات"؛ إذ كانت الأفرع الأمنية تقدم وثيقة للسجين تتضمن ثلاثة شروط للإفراج عنه: إعلان الانسحاب من الحزب والندم وإدانة الأفعال والتاريخ السياسي السابق، وإبداء الاستعداد للتعاون مع الأفرع الأمنية وتقديم المعلومات. رفض النيفي، ومعه 18 معتقلًا آخر، التوقيع على هذه الوثيقة، مما حال دون إطلاق سراحهم.
بعد ذلك، نُقل النيفي إلى سجن عدرا وأُحيل إلى محكمة أمن الدولة، حيث استمرت محاكمته لنحو عامين. صدر بحقه حكمان بالسجن (15 عامًا و8 سنوات)، وتم دمج العقوبتين وفق الحكم الأشد. في أواخر عام 1995، وبعد رفضه المتكرر التوقيع على الوثيقة الأمنية، نُقل إلى سجن تدمر العسكري، حيث أمضى ست سنوات وصفها بأنها الأقسى في مسيرته الاعتقالية، تحت وطأة تعذيب يومي وظروف معيشية "تفوق قدرة البشر على الاحتمال".
خلال فترة اعتقاله، اتخذ النيفي من الشعر وسيلة للصمود والبقاء، فكان ينظم قصائده ذهنيًا ويحفظها دون تدوين. بعد الإفراج عنه عام 2001، تمكن من إصدار ديوان "رماد السنين"، الذي جسّد خلاصة تجربته الشعرية المريرة في المعتقل.
أُفرج عن النيفي بعد نقله إلى سجن صيدنايا في الأشهر الأخيرة من اعتقاله، ليعود إلى منبج فجرًا، يحمل سؤالًا واحدًا يطارده: "هل ما زالت والدته على قيد الحياة؟". في منزله، وبين تهاني الجيران، اكتشف أن والدته قد توفيت خلال سنوات سجنه. كتب لاحقًا معبرًا عن ألمه: "دخلت الحمام لأبكي بكاءً لم أبكه طوال 15 عامًا من السجن". كانت عيناه تبحثان في زوايا المنزل عن وجه أمه الذي لم يفارقه طوال سنوات الاعتقال، حتى أُخبر بوفاتها.
بعد إطلاق سراحه، واصل حسن النيفي نشاطه الفكري والسياسي، حيث عمل باحثًا في "المنتدى الدولي من أجل إسلام ديمقراطي". نشر دراسات في الفكر السياسي والنقد الأدبي في صحف ومواقع عربية مرموقة مثل القدس العربي وأورينت، وقدم العديد من المداخلات والتحليلات السياسية لـ عنب بلدي. كما شغل عضوية مجلس محافظة حلب الحرة بين عامي 2013 و2014، وكان نائب رئيس حزب "النداء الوطني الديمقراطي" ورئيس مكتبه السياسي.
أصدر النيفي خلال مسيرته الأدبية ثلاث مجموعات شعرية: "هواجس وأشواق" (1986)، "رماد السنين" (2004)، و"مرافئ الروح" (2010). أقام في غازي عنتاب التركية منذ بداية عام 2014، ثم انتقل لاحقًا إلى فرنسا حيث توفي.
صحة
رياضة
سياسة
سياسة