البطريرك غريغوريوس حداد: أيقونة الإنسانية والتعايش الذي شيّعه 80 ألف مسلم وكرّمه الملك فيصل


هذا الخبر بعنوان "حكاية البطريرك “غريغوريوس حدّاد”الذي مشى في جنازته 80 ألف مسلم وكرّمه الملك فيصل" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في حقبة تاريخية عصيبة شهدتها بلاد الشام، وتحديداً خلال سنوات "سفر برلك" بين عامي 1914 و1918، حيث تفشت المجاعة وانهارت مقومات الحياة، برزت شخصية دينية استثنائية تجاوزت أعمالها حدود الطائفة والدين. إنه البطريرك غريغوريوس الرابع حداد، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس.
تلك الفترة اتسمت بنقص حاد في القمح وارتفاع غير مسبوق في معدلات الجوع والوفيات، خصوصاً في دمشق ولبنان. في مواجهة هذا الواقع المأساوي، اتخذ البطريرك حداد قرارات جريئة وغير مسبوقة، تمثلت في رهن أوقاف البطريركية والأديرة، وبيع الأواني الذهبية والفضية، بالإضافة إلى التخلي عن مقتنيات كنسية ثمينة، كل ذلك بهدف تأمين الغذاء للمحتاجين دون أي تمييز.
لقد فتحت الكنيسة المريمية في دمشق أبوابها يومياً لتوزيع الخبز، حيث كان كل من يدخل يحصل على رغيف يسد به جوعه، بغض النظر عن دينه أو انتمائه الاجتماعي. وتشير شهادات معاصرة إلى أن هذا النهج الإنساني أثار اعتراض بعض المسؤولين في البطريركية بسبب تزايد أعداد المسلمين بين المستفيدين. إلا أن البطريرك رد بحكمة قائلاً: "هل كُتب على هذا الخبز أنه للمسيحيين فقط؟"، ليؤكد بذلك استمرار عملية التوزيع للجميع.
وفي موقف آخر يعكس عمق فلسفته الإنسانية، رفض البطريرك حداد سؤال الفقراء عن عقيدتهم قبل تقديم المساعدة، معتبراً أن الحاجة بحد ذاتها كافية، وأن كرامة الإنسان لا تحتمل مزيداً من الإذلال. لم يقتصر دور غريغوريوس حداد على الإغاثة، بل كان أيضاً من الداعمين للتعليم والثقافة والحوار المجتمعي، مؤمناً بأن الدين رسالة أخلاقية تُترجم فعلاً في خدمة الإنسان، لا أداة للفصل أو التمييز.
عند وفاته عام 1928، شهدت دمشق واحدة من أضخم الجنازات في تاريخها الحديث، حيث شارك في التشييع عشرات الآلاف، وكان المسلمون في مقدمة المشيعين، في تعبير واضح عن المكانة الرفيعة التي حظي بها في جميع الأوساط. كما أوفد الملك فيصل مئة فارس للمشاركة في الجنازة، وأطلقت الحكومة السورية مئة طلقة مدفع تكريماً له. ومنذ ذلك الحين، عُرف في الذاكرة الشعبية بلقب "أب الفقراء".
إن استعادة سيرة البطريرك غريغوريوس حداد اليوم تمثل نموذجاً حياً للتعايش الديني والإنساني، ودليلاً على أن التضامن في أوقات الأزمات قادر على تجاوز الانقسامات، خاصة عندما تكون كرامة الإنسان هي البوصلة الأسمى، وهو ما تحتاجه الشام والمنطقة في هذه المرحلة العصيبة.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات