رسومات سارة أبو سعدة: نافذة من خيام غزة على واقع الإبادة والمعاناة


هذا الخبر بعنوان "من خيام النزوح بغزة.. الطفلة سارة ترسم للعالم واقع الإبادة" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
داخل خيمة نزوح متواضعة في مدينة غزة، توثق الطفلة سارة أبو سعدة، البالغة من العمر 15 عامًا، معاناة الفلسطينيين في القطاع من خلال رسوماتها الفنية. تأتي هذه الأعمال في ظروف قاسية فرضتها حرب الإبادة الإسرائيلية، التي أجبرت سارة على النزوح من منزل عائلتها في بلدة بيت لاهيا شمال غزة. فبعد أن كانت لوحاتها قبل الحرب تعبر عن الحياة والفرح، تحولت أعمالها الفنية لتوثيق الدمار والمجاعة والنزوح، في محاولة يائسة لإيصال واقع عامين من الحرب إلى العالم.
خلال رحلة نزوحها، فقدت سارة منزل عائلتها وجميع لوحاتها السابقة تحت أنقاض القصف الإسرائيلي. لتبدأ مرحلة جديدة من الرسم داخل خيمة النزوح، مستخدمة ما يتوفر لها من أدوات بسيطة في بيئة قاسية. تقيم الطفلة حاليًا في خيمة مصنوعة من القماش والنايلون، ضمن تجمعات النزوح التي أقيمت بعد تدمير أحياء سكنية واسعة في غزة. تحولت هذه الخيام إلى فضاء بديل تحاول سارة من خلاله إيصال رسالتها للعالم. يعيش نحو 1.5 مليون فلسطيني نازح في مدارس ومساجد وشوارع وخيام، في ظل انعدام البدائل السكنية، بينما يقطن قطاع غزة نحو 2.4 مليون فلسطيني، وفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة. وتواصل إسرائيل حصار القطاع، وتمنع إدخال البيوت الجاهزة (الكرفانات) لإيواء من دمرت منازلهم منذ بدء الحرب. ورغم وقف إطلاق النار منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لم يشهد الواقع الفلسطيني أي تحسن بسبب استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع ومنع وتقنين دخول المواد الأساسية.
في محيط خيمتها، لا يوجد ما يشبه مرسمًا فنيًا تقليديًا، بل تتوزع جالونات مياه فارغة وقطع خشب مهترئة وأقمشة ممزقة، وتتقاطع أصوات النازحين في مساحة مكتظة. تنتشر الخيام البالية على أرض طينية، لتشكل هذه البيئة القاسية الإطار اليومي الذي تعمل فيه الطفلة سارة وتستلهم منه وحي أعمالها الفنية.
مع غياب الأدوات الفنية الأساسية، تضطر سارة للبحث عن وسائل بديلة فرضها واقع النزوح. فخلال فترة الحرب، استخدمت الفحم المستخرج من بقايا الحطب المحترق بدل الألوان، وصنعت لوحاتها من قطع خشبية وأقمشة جمعتها من بين الخيام، كما رسمت أحيانًا على أغطية بلاستيكية (شوادر) نصبت مأوى للنازحين. هذه الظروف القاسية انعكست مباشرة على مضمون رسوماتها التي لم تعد تشبه تلك التي ملأت طفولتها قبل الحرب، إذ اختفت الشوارع النظيفة والبيوت الملونة والوجوه الضاحكة، وحل مكانها الركام والدم وصور القتلى. كما رسمت سارة لوحة "سفينة الصمود" على أمل وصولها إلى غزة وكسر الحصار، إلا أن اللوحة بقيت صورة لم تتحقق بسبب القرصنة الإسرائيلية والاعتداء على السفينة. وفي 1 أكتوبر الماضي، هاجم الجيش الإسرائيلي 42 سفينة تابعة لـ"أسطول الصمود" أثناء إبحارها في المياه الدولية باتجاه غزة، واعتقل مئات الناشطين الدوليين على متنها، ونقلهم إلى سجن كتسيعوت، قبل البدء بترحيلهم في الثالث من الشهر.
تقول الطفلة أبو سعدة للأناضول إن رسوماتها تغيرت كليًا منذ اندلاع الحرب، موضحة: "قبل الحرب كنت أرسم لوحات جميلة تعبر عن الحياة اللي كنا نعيشها، لكن مع الحرب انقلبت كل رسوماتي، وصرت أرسم عن الواقع والحرب".
وتضيف أن لوحاتها باتت توثق المعاناة اليومية في غزة، إذ أصبحت ترسم الدمار والركام والدم وصور القتلى. وعن رسم لوحات تعكس الوقائع، قالت: "رسمت عن المجاعة عندما كانت النساء يذهبن للحصول على مساعدات ويحملن أكياس الطحين، وعن سفينة الصمود". وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية، عانى الفلسطينيون من شح حاد في المياه والطعام والدواء والوقود، ما أدى إلى وفاة عشرات جراء الحصار الإسرائيلي الذي ترافق مع سياستي التجويع والتعطيش. وفي 22 أغسطس/ آب 2025، أعلنت "المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، عبر تقرير، "حدوث المجاعة في مدينة غزة (شمال)".
وتتابع أبو سعدة أنها رسمت أيضًا لوحات عن عودة النازحين بعد توقف الحرب، وأخرى جسدت فيها المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، في إشارة إلى دعمها حقوق الفلسطينيين. وتشير إلى أنها فقدت جميع لوحاتها القديمة بعد قصف منزل عائلتها، وبدأت الرسم من جديد داخل الخيام في ظروف صعبة ونقص أدوات الرسم.
وفي وصفها لأدوات الرسم البديلة، تقول: "في فترة من فترات الحرب كنت أستخرج الفحم من بقايا النار وأرسم فيه، وأحيانًا أصنع اللوحة من الخشب والقماش".
وعن أملها بالعودة إلى منزل العائلة، تقول سارة: "فوجئت بتدميره وعدم قدرتنا على الوصول إليه، لوقوعه في المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي شمالي القطاع". وتفيد سارة بأنها تتطلع إلى عودة الحياة الطبيعية لغزة، وعودة المدارس، وبأن تحظى موهبتها الفنية بدعم من جهة تتبناها وتساعدها على تطويرها، وترسم معالم الحياة الجميلة بالقطاع. وتؤكد أنها تحاول من خلال رسوماتها إيصال صوتها ومعاناة فلسطينيي غزة للعالم، معتبرةً أن أعمالها تمثل رسالة توثيق لما يعيشه الفلسطينيون، في ظل ما وصفته بتجاهل دولي لما يجري في القطاع.
وما يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على الشريطين الجنوبي والشرقي من القطاع، إضافة إلى أجزاء واسعة من شمال غزة، مواصلاً احتلال قرابة 60 بالمئة من مساحة القطاع. وتواصل إسرائيل خروقاتها لوقف إطلاق النار مع "حماس" منذ 10 أكتوبر 2025، وارتكبت نحو 875 خرقًا، وقتلت أكثر من 411 فلسطينيًا، وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الثلاثاء الماضي. وخلّفت حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة التي بدأت في 8 أكتوبر 2023 واستمرت لعامين، نحو 71 ألف شهيد وأكثر من 171 ألف جريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، ودمارًا هائلاً مع كلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
الأناضول
منوعات
سياسة
منوعات
منوعات