الليرة السورية الجديدة: تحديات القطاع المصرفي بين الإصلاح الاقتصادي وأزمة الثقة


هذا الخبر بعنوان "الجهاز المصرفي السوري أمام اختبار الليرة الجديدة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد القطاع المصرفي في سوريا مرحلة مفصلية تتقاطع فيها التحولات السياسية مع رهانات الإصلاح الاقتصادي، في حين تحاول الحكومة الانتقال من إدارة الأزمات إلى إعادة هيكلة النظام المصرفي، بما يسمح باستعادة الاستقرار المالي والنقدي وتحفيز النشاط الاقتصادي.
جاء المرسوم الرئاسي رقم "293" لعام 2025، المتضمن استبدال عملة سورية جديدة بالعملة القديمة وحذف صفرين من القيمة الاسمية للقديمة، وتفويض مصرف سوريا المركزي باتخاذ القرارات اللازمة بهذا الشأن، ليضيف عنصرًا بالغ الحساسية إلى مسار الإصلاح، لما يحمله من آثار مباشرة على التعاملات المصرفية، والإيداعات، والأسعار، وسلوك المستهلكين والمستثمرين، ليشمل أيضًا حركة البورصة (سوق دمشق للأوراق المالية)، بحسب ما أورده عنب بلدي على لسان وسيم العدوي.
أوضح الدكتور في الاقتصاد والخبير المصرفي إبراهيم نافع قوشجي لـ عنب بلدي، أن العملة ليست مجرد أداة تبادل، بل هي انعكاس للثقة بالاقتصاد والحكومة وبالاستقرار النقدي. وأضاف أن أي تغيير في شكلها أو قيمتها الاسمية يترك أثرًا نفسيًا واقتصاديًا في آن واحد، ويعيد تشكيل توقعات السوق وسلوك الفاعلين الاقتصاديين.
ولذلك، فإن هذه الخطوة تُعد اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة والمؤسسات المالية على إدارة انتقال نقدي دقيق، دون زعزعة ما تبقى من ثقة في النظام المالي. في هذا السياق، يصبح الجهاز المصرفي الحلقة المركزية في هذا التحول، لأنه الجهة المسؤولة عن تنفيذ القرارات النقدية، وضبط حركة السيولة، وتحديث الأنظمة المحاسبية، وإعادة تسعير الحسابات والقروض والودائع، إضافة إلى دوره في حماية المودعين والمقترضين من أي آثار سلبية محتملة، ومنع المضاربة والفوضى في السوق.
من الناحية التقنية، يهدف حذف صفرين من الليرة السورية، حسب الدكتور قوشجي، إلى تبسيط العمليات الحسابية، وتسهيل المعاملات اليومية في المصارف والمؤسسات والشركات، والحد من التضخم الرقمي في الأنظمة المحاسبية، وتخفيف الأخطاء في القيود المالية. كما يسهم ذلك في جعل القيم النقدية أكثر قابلية للفهم والتداول من قبل المواطنين، بعد سنوات من التعامل بالملايين ومئات الآلاف في أبسط العمليات.
لكن هذا الإجراء يحمل أيضًا بُعدًا نفسيًا ورمزيًا، إذ يُراد له أن يشير إلى بداية مرحلة جديدة من "الاستقرار والانضباط النقدي" الذي كان يفتقر له القطاع المصرفي زمن النظام السابق، غير أن هذا البعد لا يتحول إلى واقع ما لم يترافق مع سياسات مالية ونقدية صارمة تضبط التضخم، وتحد من العجز في أرقام الموازنة العامة للدولة، وتربط الكتلة النقدية بالنشاط الاقتصادي الحقيقي لا بالمضاربة أو التمويل التضخمي، بحسب قوشجي.
وفي الحالة السورية، لا تزال هذه الشروط غير مكتملة، إذ يعاني الاقتصاد من ضعف الإنتاج المحلي، وتراجع الصادرات من المنتجات الوطنية، والاعتماد الكبير على الاستيراد والتحويلات، ما يجعل أي إصلاح نقدي دون إصلاح اقتصادي عرضة للفشل أو للتآكل السريع.
وصف الدكتور قوشجي الجهاز المصرفي السوري بأنه جهاز مختلط، يجمع بين مصارف حكومية متخصصة ومصارف تجارية وإسلامية خاصة، لكنه بقي لفترة طويلة عاجزًا عن أداء دوره التنموي الحقيقي في الاقتصاد، وإطلاق الليرة الجديدة يزيد المشهد الاقتصادي تعقيدًا، في ظل عدم تحول المصارف إلى ممول أساسي للمشاريع الإنتاجية، وبقائها محكومة بقيود إدارية وسياسات ائتمانية غير مبنية على الجدوى الاقتصادية.
يرى قوشجي أن غياب الاستقلالية المصرفية، وتداخل القرار المالي مع القرار الإداري والسياسي، جعلا القروض تُمنح أحيانًا وفق اعتبارات غير اقتصادية، ما أضعف كفاءة تخصيص الموارد، وحال دون تشكل بيئة استثمارية تنافسية. ونتيجة لذلك، غابت الاستثمارات الوطنية الكبرى في قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة، واقتصرت معظم المشاريع على أنشطة تجارية بسيطة أو خدمية، لا تخلق قيمة مضافة عالية ولا فرص عمل واسعة، ما انعكس سلبًا على النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
وضمن الجهود لإعادة تفعيل وتطوير القطاع المصرفي، وقيامه بالدور المأمول منه، يعمل مصرف سوريا المركزي على دراسة منح تراخيص لمصارف تقليدية وإسلامية ومصارف تمويل أصغر، تضاف إلى نحو 40 ترخيصا تم منحها لـ26 شركة ومكتب صرافة وحوالات تحت رقابة المركزي، واعتماد ورقة سياسات لإنشاء سوق نقدية بين المصارف.
أشار قوشجي إلى أن السوق المصرفية السورية متضمنة شركات الصرافة والحوالات، تعاني حاليًا من فوضى في تحديد أسعار الفوائد والعمولات، بسبب غياب معايير موحدة ورقابة صارمة، ما يؤدي إلى تفاوت كبير بين مصرف وآخر في تكلفة الخدمات، ويضعف الشفافية ويزيد من شكوك المستثمرين بجدوى الاستثمار في سوريا، رغم الخطوات المتسارعة المتخذة لتحقيق الاستقرار النقدي.
وترافقت هذه الفوضى مع أزمة ثقة عميقة، نتيجة سياسات سابقة أدت إلى تقييد السحب وتجميد السيولة، ما دفع كثيرين إلى إخراج أموالهم من المصارف والاحتفاظ بها نقدًا أو تحويلها إلى الخارج أو إلى السوق السوداء. هذا النزيف في السيولة حرم المصارف من قدرتها الأساسية على الإقراض والتمويل، وحوّلها إلى مؤسسات محدودة الدور الاقتصادي.
وأكد قوشجي أن استعادة هذه السيولة لا تتم بقرارات إدارية فقط، أو بحذف صفرين من العملة، بل عبر بناء إطار قانوني وتنظيمي واضح ومستقر، يحمي حقوق المودعين، ويضمن حرية الوصول إلى الأموال، ويعيد الثقة بالسوق المالية الرسمية.
تعكس حركة الأسهم في سوق دمشق للأوراق المالية، ولا سيما أسهم المصارف المدرجة، حالة الثقة والسيولة في الاقتصاد السوري، حيث يدل ارتفاع الطلب على أسهم المصارف عادة على توقعات إيجابية بشأن ربحيتها وقدرتها على جذب الودائع وتوسيع الإقراض، بينما يشير ركود التداول أو تراجع الأسعار إلى ضعف الثقة وتفضيل الاحتفاظ بالسيولة خارج السوق.
وخلال السنوات الماضية، شهدت السوق فترات ركود طويلة وانخفاضًا في أحجام التداول، ما عكس حالة الجمود في القطاع المصرفي وخروج السيولة من القنوات النظامية، يبيّن الخبير الاقتصادي والمصرفي السوري. ومع الحديث عن الليرة الجديدة، يراقب المستثمرون ما إذا كانت هذه الخطوة ستُعيد بعض الثقة وتدفع جزءًا من الأموال إلى العودة للنظام المصرفي وسوق الأسهم.
ويرى الخبير ذاته أن نجاح الإصلاح النقدي قد ينعكس إيجابًا على أسهم المصارف، عبر رفع التوقعات بزيادة الودائع وتحسن الإقراض، لكن ذلك مشروط بوجود سياسات شفافة ومستقرة تحمي المستثمرين وتمنع التقلبات الحادة. وبحسب قراءة الدكتور قوشجي، فإن التحدي الحقيقي ليس في تغيير شكل العملة، بل في:
وعندها فقط يمكن لليرة السورية الجديدة أن تتحول من إجراء تقني إلى ركيزة حقيقية للاستقرار والتنمية.
لدى المصارف السورية مراكز سيولة بالعملات الأجنبية تسمح لها بتمويل التجارة الخارجية وجذب التحويلات والاستثمارات، غير أن هذه القدرة بقيت محدودة خلال السنوات الماضية بسبب عدم استقرار التعليمات الناظمة، وتعدد أسعار الصرف، والخوف من المخاطر التنظيمية والقانونية، ما دفع جزءًا كبيرًا من التعاملات بالقطع إلى الخروج من القنوات الرسمية نحو السوق السوداء.
ويأتي إطلاق الليرة السورية الجديدة في هذا السياق كفرصة لإعادة تنظيم هذا الملف تحديدًا، بحسب ما قاله الدكتور قوشجي، إذ إن نجاح أي عملة وطنية جديدة مرتبط مباشرة بقدرة الدولة على ضبط سوق القطع الأجنبي، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي، وتشجيع الأفراد والشركات على إعادة تحويل العملات الأجنبية إلى المصارف بدل الاحتفاظ بها خارج النظام المالي.
وأكد الخبير قوشجي أن تفعيل الدور الحقيقي للمصارف في مجال القطع الأجنبي يتطلب سياسة نقدية واضحة ومستقرة، تضمن حرية التعامل بالعملات الأجنبية ضمن أطر قانونية شفافة، تحمي المصارف والمودعين من المخاطر التنظيمية، وتشجع تدفق القطع عبر القنوات الرسمية بدل السوق السوداء. ودون هذا التفعيل، تبقى الليرة الجديدة معرضة للضغط الخارجي من سوق القطع، مهما كان شكلها أو عدد أصفارها.
كما أن توسيع دور المصارف في استقطاب التحويلات الخارجية وتمويل الاستيراد والتصدير عبر قنوات رسمية، من شأنه أن يعزز احتياطيات القطع لدى مصرف سوريا المركزي، ويقوي قدرة السياسة النقدية على الدفاع عن استقرار العملة الجديدة، ويحد من التقلبات الحادة في سعر الصرف، ما يعزز الثقة العامة بها كوسيلة ادخار وتبادل.
وفي المحصلة، فإن طرح الليرة السورية الجديدة وحذف صفرين من العملة القديمة يمثلان فرصة لإعادة تنظيم النظام النقدي، لكن نجاح هذه الخطوة مرتبط بمدى قدرة الدولة على ضبط سوق القطع الأجنبي، واستعادة السيولة إلى الجهاز المصرفي، وتوحيد القواعد التنظيمية، وبناء بيئة مالية شفافة ومستقرة.
يبلغ عدد المصارف العاملة في سوريا (العامة والخاصة التقليدية والخاصة الإسلامية) 21 مصرفًا، وفي نظرة إلى حجم الأصول البنكية يتضح عدم وجود أرقام رسمية لرؤوس أموال المصارف العامة والخاصة، في حين يبلغ مجموع رؤوس أموال المصارف الإسلامية (أربعة مصارف) وحدها نحو 60 مليار ليرة، وتبلغ تقديرات رؤوس أموال المصارف الكبيرة وخاصة الحكومية بمئات المليارات بحسب قيمتها السوقية وميزانياتها الختامية.
أجرت عنب بلدي استطلاعًا عبر موقعها الإلكتروني، حول رأي السوريين بالأثر الذي سيخلفه استبدال العملة السورية وحذف صفرين منها، وشارك في الاستطلاع 2019 شخصًا، واستمر بين 27 من كانون الأول 2025 و3 من كانون الثاني الحالي.
رأى 44% من المستطلعة آراؤهم أن استبدال العملة وحذف صفرين منها لن يؤثر على قيمتها، بينما يعتقد 42% منهم أن العملية سترفع قيمة الليرة، ورأى 14% فقط من المشاركين أن العملية ستخفض قيمة الليرة السورية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد