أزمة "الفروغ" في حماة: عقود الإيجار القديمة تثير صراعًا حقوقيًا واقتصاديًا بين الملاك والمستأجرين


هذا الخبر بعنوان "“الفروغ” في حماة.. عقود تاريخية تتحول إلى أزمة اجتماعية وقانونية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد مدينة حماة السورية أزمة متفاقمة تتعلق بعقود "الفروغ" التاريخية، التي لطالما شكلت عرفًا تجاريًا واقتصاديًا واجتماعيًا راسخًا في سوريا لأكثر من سبعة عقود. يمنح هذا العقد حق الانتفاع طويل الأمد للمستأجر مقابل مبلغ أولي مقطوع يعادل ثمن تملك المحل، مع بقاء الملكية للمالك وأجرة سنوية رمزية.
ومع الارتفاع الهائل في أسعار العقارات وقيمتها السوقية، يطالب الورثة والملاك الأصليون اليوم باستعادة ممتلكاتهم أو إعادة تقييم العقود، معتبرين أنفسهم أمام ملكية معطلة لا يستطيعون الاستفادة منها. في المقابل، يرى التجار أن عقود "الفروغ" هي بمثابة ملكية مقنعة، حيث دفعوا مبالغ طائلة تعادل أحيانًا ثمن منازل كاملة، وبنوا حياتهم الاقتصادية والاجتماعية على أساس هذه العقود.
تكشف هذه الأزمة عن خلل بنيوي في القانون الذي لم يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية. وقد دفعت هذه المشكلة عشرات التجار من أصحاب "الفروغ" إلى تنظيم وقفات احتجاجية أمام وزارة العدل والقصر العدلي في بعض المحافظات السورية، مطالبين بحماية حقوقهم المكتسبة وعدم المساس بعقودهم التي يعتبرونها حقًا قانونيًا وماليًا دفعوا مقابله مبالغ ضخمة.
في 21 من كانون الأول 2025، شهدت مدينة حماة وقفة احتجاجية سلمية ثانية نظمها العشرات من مالكي عقارات "الفروغ" أمام القصر العدلي. جاءت هذه الوقفة اعتراضًا على تخمينات إيجارية جديدة وصفوها بأنها "غير عادلة"، وأدت إلى رفع قيمة الإيجارات بشكل كبير. رُفعت خلال الوقفة لافتات تحمل عبارات مثل: "الفروغ تمليك وليست إيجارًا"، "نطالب بالعدالة"، "إنا ملاك فروغ ولسنا مغتصبين"، و"حقوقنا وحقوق أبنائنا أمانة في أعناقكم".
تتمحور الأزمة حول القرارات الصادرة عن لجان التخمين التابعة للقضاء في حماة، والتي حددت قيمًا إيجارية جديدة وصفها المحتجون بأنها "جائرة وغير واقعية". تكمن خطورة هذه القرارات في الزيادة الهائلة في القيم الإيجارية والتضارب الصارخ في التقديرات التي تفتقر إلى المعايير المهنية الواضحة.
يروي تاجر الخضار وائل واوية، في حديث لعنب بلدي، تفاصيل مثيرة للاستغراب حول تخمين إيجار محله في منطقة الحاضر الصغير. فقد ارتفع التخمين السنوي لمحله الصغير من 200 ألف ليرة سورية سابقًا إلى 90 مليون ليرة سورية سنويًا بعد التخمين الجديد. ويستغرب واوية هذا التفاوت، مشيرًا إلى أن جاره في المحل المجاور صدر تخمين بحقه بثلاثة ملايين، وآخر بأربعة ملايين سنويًا. وأضاف أن هذه التخمينات ارتفعت في بعض المحال التجارية بالمدينة إلى أكثر من عشرة أضعاف قيمتها السابقة، في وقت يشهد فيه السوق المحلي تراجعًا في الأعمال، مما يهدد دخل وأرزاق عشرات الأسر.
بدأت شرارة الأزمة قبل تحرير سوريا، في عهد النظام السابق، عندما باشرت الجهات الرسمية عملية تخمين جديدة لإيجارات عقارات الفروغ بهدف رفع القيم الإيجارية لتتناسب مع الأسعار السوقية. من أبرز هذه الحالات كانت سينما "الشرق" في حماة، الخاضعة للتمديد الحكمي، حيث رفعت محكمة صلح حماة المدنية أجرتها من 4.56 مليون ليرة سورية سنويًا إلى 450 مليون ليرة سنويًا، أي ما يقارب 100 ضعف.
أثارت هذه التخمينات مخاوف عميقة لدى التجار وأصحاب الفروغ، وتحولت إلى حراك احتجاجي بعد التحرير. وصرح كنان الشيخ سعيد، صاحب سينما "الشرق"، لعنب بلدي، بأنه يملك العقار بعقد "فروغ" منذ عام 1960 بموجب مرسوم، وأن قرارًا قضائيًا "غيابيًا" صدر ضده دون إبلاغه رسميًا بتخمين سينما "الشرق" بمبلغ 450 مليون ليرة سنويًا. في المقابل، تم تخمين سينما "أوغاريت" التي يملكها أيضًا في حلب (بمساحة ضعف مساحة سينما الشرق) بمبلغ 33 مليون ليرة فقط، مما يكشف عن خلل وتخبط في معايير التقييم. وطالب الشيخ سعيد بإلغاء كل القرارات الصادرة في ظل النظام السابق وفتح تحقيق موسع لإعادة الحقوق لأصحابها.
يبرز شرخ عميق بعد سبعة عقود على تشريعات الإيجار القديمة. يرى المستأجر نفسه شريكًا أصيلًا وليس ضيفًا عابرًا، بحكم استثماراته الطويلة وتوارث المحل عبر الأجيال. في المقابل، يطالب المالكون بحق مشروع في استعادة ملكيتهم واستثمارها في زمن الغلاء وانهيار العملة، خاصة مع ضآلة الإيجارات السنوية مقارنة بالقيم السوقية الحالية.
يؤكد كثير من الملاك أنهم لا يسعون لطرد التجار، بل يطالبون بآلية أكثر عدالة تعترف بحقوق الورثة. وفي هذا السياق، قال بشار محمد بوظو، المتحدث الرسمي باسم جمعية الملاكين في سوريا، لعنب بلدي، إن مرحلة الانفتاح الحالية تمثل فرصة لتصحيح تشوهات عقود طويلة طالت حق الملكية الذي يكفله الدستور. وأضاف أن قوانين الإيجار القديمة، كنظام التمديد الحكمي، حولت العلاقة التعاقدية إلى شكل من أشكال المصادرة شبه الكاملة لحق المالك، وأفرزت ظواهر مشوهة مثل "الفروغ".
طالب بوظو بإلغاء القوانين الاستثنائية التي كرست التمديد الحكمي، وتمكين المالك من استرداد ملكه وتعويضه تعويضًا عادلًا عن سنوات الإشغال على أساس القيمة السوقية، وذلك بإنهاء "الفروغ" وإبطال جميع مفاعيله القانونية. وأكد ضرورة إعادة تعريف عقد الإيجار قانونيًا بما ينفي صراحة أي حقوق مكتسبة أو مؤبدة، معتبرًا أن هذا الإصلاح يعيد العلاقة التعاقدية إلى مسارها الطبيعي القائم على العدالة الملكية.
أكدت الجهات الرسمية أن هدفها تحقيق العدالة وحماية الحقوق، في محاولة لمعالجة الأزمة بما يوازن بين مصالح جميع الأطراف. وفي هذا الإطار، عقد رئيس عدلية حماة، القاضي محمد أحمد النعسان، اجتماعًا ضم ممثلين عن غرفة تجارة حماة، ومعاون المحافظ، ونقابة المهندسين، والمحامي العام، والمفتش القضائي، بالإضافة إلى عدد من المستأجرين المحتجين.
أوضح النعسان أن الأغلبية العظمى من المحتجين لا توجد دعاوى قضائية حالية بحقهم، وأن مخاوفهم من ارتفاع الإيجارات مستقبلًا تستند إلى تجارب سابقة مثل قضية سينما "الشرق". وشدد على انفتاح القضاء أمام جميع الاعتراضات والاستفسارات عبر القنوات القانونية الرسمية، مؤكدًا التزام القضاء بالشفافية والإنصاف. وأشار إلى أن دور القضاء الأساسي هو تطبيق القانون، وأن لب الإشكالية يتعلق بالمعايير الفنية المستخدمة في تقدير قيمة الإيجارات، وهي مسؤولية نقابة المهندسين بوصفها الجهة المختصة فنيًا. وتم الاتفاق على عقد جلسة متابعة فنية موسعة في مقر النقابة.
من جهته، أكد رئيس غرفة تجارة حماة، سمير الحبال صوف، لعنب بلدي، ضرورة إيجاد حل سريع، معربًا عن أمله في أن يصدر البرلمان الجديد تشريعات عاجلة لمعالجة هذا الوضع "غير المقبول". وأشار إلى أن "جذور المشكلة تعود إلى نظام البعث البائد، الذي أهدر حقوق البلاد والعباد". وعن قانون الإيجارات القديم (الفروغ)، قال: "دعونا لا نستبق الأمور، فهي قوانين مضى عليها عقود وتحتاج إلى مختصين وفقهاء قانون للوصول إلى قوانين عادلة تنصف الجميع".
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد