المقاومة أم الاستسلام: خيارات الشعوب في مواجهة "الوحش" وتكاليفها المتساوية


هذا الخبر بعنوان "لا خيار إلّا مقاومة الوحش… فالكلفة واحدة!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يؤكد إبراهيم الأمي أن لا غموض يكتنف مواجهة "القاتل الكبير"، ولا حاجة لاستشارة العرافين أو المنجمين. فالصورة جلية وواضحة، بل ربما هي الأوضح في تاريخنا الحديث: مجرم يقود عصابة عابرة للحدود، يعلن منطقه بصراحة تامة: "أنا ربكم الأعلى، وعليكم تنفيذ ما آمر به. إن أذعنتم سلمًا، منحْتُكم حياة العبيد، وإن رفضتم، قتلتُكم وأبَدتُ نسلكم."
أمام هذا "الوحش"، تتوزع آراء الناس. يرى فريق لا يستهان به أن النجاة تكمن في الإذعان لمطالبه، متشبثين بوهم حدوث تغيير مستقبلي. في المقابل، تدرك قلة واعية أن ما يُعرض ليس مجرد تسوية، بل هو مشروع إبادة شاملة، سواء اختاروا الوقوف بشموخ أو الزحف تحت الأرض. يمتلك هؤلاء منطقًا واضحًا يدعو إلى المقاومة، وحرمان "الوحش" من شرط الاستسلام، مع إيمانهم بأن مقاومة هذا الكيان قادرة على إحداث تغيير جذري.
ينطلق دعاة الاستسلام من قناعة بالهزيمة قبل خوض أي مواجهة، مبررين ذلك بقوة "الوحش" التي لا تُضاهى. يميل هؤلاء عادةً إلى الانبهار بالقوي، حتى لو كان قاتلاً، رغم أن التاريخ يثبت أن هذا الخيار قد جُرّب لقرون طويلة، ولم ينجُ منه سوى قلة تحولت اليوم إلى مجرد أدوات لخدمة مصالح "الوحش" ذاته.
أما الفريق الآخر، فهو ليس واهمًا ولا فاقدًا للعقل، بل يدرك أن التاريخ يعلم الشعوب أن المقاومة المبنية على المعرفة والقدرة والإرادة قادرة على إفشال أخطر المشاريع. يتساءل الكاتب: ألم تسقط إمبراطوريات دامت قرونًا تحت وطأة المقاومة؟ ألم تفقد أوروبا المتوحشة معظم نفوذها في أقل من قرن بفضل مقاومات جادة؟ ألم تنتهِ حروب أميركا في مطلع الألفية بخسائر فادحة أثرت على مشروعها من أفريقيا إلى الخليج والعراق وأفغانستان؟ كل هذه النتائج لم تكن ثمرة ذكاء المستسلمين، بل كانت نتاج مقاومة ذكية.
قد يجادل البعض بأن أميركا، عندما كانت تتكبد الخسائر، كانت تترك الفوضى وراءها، وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضًا أنها لم تتوقف عن الحرب، بل كانت تنقلها إلى مناطق أبعد. أليس الحصار الاقتصادي، وسياسات القتل بالنار أو بالوباء أو بالتجويع، أشكالًا من الحروب المفتوحة؟ إنها أدوات أخرى يمتلكها "الوحش" ذاته، الذي لا يولي أي اعتبار للقواعد الأخلاقية، ويجهر بذلك علنًا، تمامًا كما يفعل سيد وحوش عصرنا، دونالد ترامب.
في بلادنا ومنطقتنا، يترقب البعض نصيبهم من مسلسل "الوحش" المفتوح. هنا أيضًا، توجد غالبية تدعو إلى الاستسلام وتهلل لـ"الوحش"، ظنًا منها أن ذلك سيرفع من شأنها، وكأنها لا ترى حروب "صغار الوحوش" الدائرة اليوم في الجزيرة العربية، وشمال أفريقيا وشرقها. في المقابل، توجد في بلادنا أقلية مقتنعة ومنخرطة في مشروع مقاومة هذا "الوحش"، وهي أقلية تدرك جيدًا أنها كلما أحرزت تقدمًا، سينضم إليها الكثيرون ممن يعيشون اليوم تحت وطأة الخوف على حياتهم.
على أي حال، لن يكون النقاش حول الخيارات الكبرى مجديًا في هذا السياق. لكن ما هو نافع وضروري للجميع هو إدراك أنه لا يوجد في بلادنا من يملك القدرة على فرض رؤيته قسرًا على الآخرين. في حالتنا الراهنة، يمكن للجميع مواصلة صراعاتهم حول التوجه وطريقة التصرف، غير أن هذا الجدل يتبدد في لحظة واحدة، لأن قرار الحرب ليس بيد أي منا اليوم، بل هو حصرًا بيد "الوحش" نفسه؛ ذلك "الوحش" الذي لا يشبع من الحروب، ولا يكتفي بما راكمه من ثروات وقدرات، بل يطمح إلى امتلاك كل شيء. وعندما تكون الحرب محكومة بإرادة "الوحش"، يصبح السؤال الحقيقي المطروح أمام الناس المنقسمين حول الخيار الأنسب سؤالًا وجوديًا.
لا يمكن لمن اختار الاستسلام أن يفرض خياره على الآخرين؛ وإذا حاول ذلك، فلن يجد من يسانده سوى "الوحش" ذاته، فهو الطرف الوحيد المستعد لتقديم "المساعدة". في المقابل، من يختار المقاومة لا ينتظر عونًا من أحد. هكذا علمتنا تجارب لبنان مع الاحتلال، حيث لم يقف العالم يومًا إلى جانبنا ما دامت هناك كلفة كبيرة. لذلك، يدرك من يقرر المقاومة مسبقًا أنه سيُجبر على تحمل الأثمان وحده، وعليه في الوقت نفسه أن يأخذ في الاعتبار عدم جر الجميع إلى دفع الثمن المباشر لخيار المقاومة.
وهذا تحديدًا ما اتبعته المقاومة في لبنان منذ تسعينيات القرن الماضي. فأي ضرر لحق بالبلاد عمومًا كان سببه الاحتلال والحصار المفروض من قبل الأميركي، وليس خيار المقاومة بحد ذاته. ليس لأن هذا الخيار بلا كلفة، بل لأن المقاومة ليست الطرف القادر على شن الحروب أو فرض الحصار. كل ما تفعله هو مقاومة هذا "الوحش"؛ لأنها تجيد قراءة التاريخ، ولأنها ببساطة ترفض الاستسلام، ولأنها أدركت أن القتل سيكون عقابها سواء وقفت شامخة أم ركعت، لكنها تعرف أيضًا أن لديها فرصة حقيقية لإفشال أهداف "الوحش"، وفتح نافذة أمل تتيح لمن بقي من أهلها أن يعيشوا حياة أفضل.
المشهد المثير للشفقة في لبنان هو رؤية أولئك الذين يهللون للعدوان الأميركي على فنزويلا، وهم ذاتهم من هللوا سابقًا للعدوان على إيران والعراق وسوريا، وحتى على لبنان نفسه. يرفعون الكؤوس ابتهاجًا، متمنين نجاح "الوحش" في القضاء على كل من يعتبرونه خصمًا لهم، بينما يعجزون اليوم، أو لا يجرؤون، أو لا يملكون حتى الحق الأخلاقي، على إعلان موقف واضح من الصراع القائم بين السعودية والإمارات العربية المتحدة؛ ذلك الصراع العسكري الذي يدور على أرض دولة ثالثة هي اليمن.
أليس هؤلاء الصامتون أنفسهم هم من رفعوا أصواتهم اعتراضًا عندما أرسل حزب الله من يساعد ثلثي الشعب اليمني في مواجهة العدوان الذي نفذه المتصارعان السعودي – الإماراتي؟ أم أن حفنة من الخبراء، قادهم الشهيد البطل هيثم الطبطبائي في اليمن، تشكل خطرًا على اليمن وأهله، وعلى لبنان والمنطقة، أكثر مما تشكله جيوش جرارة من المرتزقة تقودها السعودية والإمارات في تلك المنطقة؟
مرة أخرى، لا جدوى من النقاش مع الخائفين من "الوحش" في كل مكان. ويُعد غبيًا، أو "مسطولًا"، من يواصل الحديث عن القوانين الدولية وسيادة الدول وحقوق الإنسان. النقاش الوحيد المتاح أمامنا اليوم هو سؤال أنفسنا: هل أعددنا أنفسنا بما يكفي للحرب القادمة بكل نيرانها، أم أننا أصبحنا قادرين على مباغتة العدو دون الحاجة إلى انتظاره؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة