سوريا بعد انهيار السلطة: الدرس الفنزويلي في صراع الجغرافيا وتحدي إعادة تعريف الدولة


هذا الخبر بعنوان "الدرس الفنزويلي والتجربة السورية" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ عام مضى على انهيار سلطة البعث في سوريا، تواجه البلاد فراغاً سياسياً وأمنياً غير مسبوق. هذا الوضع لا يشبه انهيار الدولة بالمعنى التقليدي، بل يظهر تحولها إلى مساحة لإعادة التشكل ضمن خطوط نفوذ متداخلة، حيث لا يمكن تفسير المشهد الراهن بالسياسة وحدها، بل بالجغرافيا التي أصبحت ميدان الصراع الحقيقي.
يبدو "الدرس الفنزويلي" حاضراً كمرآة معكوسة لهذه التجربة. فبينما بقيت السلطة في كاراكاس وتآكلت الدولة من الداخل، سقطت السلطة في دمشق وبقيت الدولة تبحث عن مركز جديد يعيد تعريفها. في التجربة الفنزويلية، شكل الصمود في مراحل الأزمة خياراً استراتيجياً مكلفاً، وأنتج دولة تدور حول نفسها من دون أفق تحول حقيقي. أما في سوريا، فإن سقوط النظام كشف أن البنية المركزية التي حكمت البلاد عقوداً عدة لم تعد متماسكة، والدولة ما بعد النظام تواجه اختبار الوجود وليس فقط مسألة إدارة، فالقوى المحلية التي ظهرت بعد الفراغ السياسي لا تسعى إلى إسقاط ما تبقى من الدولة، بل إلى امتلاك تعريفها، وهذا يجعل الصراع الراهن صراعاً على هوية الدولة لا على سلطتها.
يقدم الدرس الفنزويلي تحذيراً بالغ الأهمية، ففترات الأزمات الطويلة لا تخلق حلولاً جذرية، بل تؤسس لثقافة إدارة الانهيار. وسوريا اليوم مهددة بإعادة إنتاج هذه الثقافة؛ إذ يتحول الخطاب الوطني إلى أداة لإدامة التوازن بين مناطق النفوذ، بينما تغيب الرؤية الواضحة لإعادة بناء المؤسسات. تكمن المعضلة في كيفية تحويل الجغرافيا إلى مشروع سياسي جامع بدل أن تكون مجرد خريطة لتوزيع السيطرة.
في عمق الأزمة، يتبدى أن الجغرافيا السورية نفسها أصبحت المورد السياسي الأول؛ من الشرق حيث الطاقة والمعابر، إلى الجنوب حيث الممرات الأمنية. تتعامل القوى الإقليمية مع سوريا بوصفها عقدة وصل، لا دولة ذات قرار سيادي. هذا الامتداد جعل من إعادة بناء الدولة مسألة توازن دولي أكثر منها شأناً داخلياً، تماماً كما تحولت فنزويلا إلى ساحة تنازع بين واشنطن وموسكو على مواردها ونفوذها.
الفارق الجوهري يبقى في التاريخ الاجتماعي، ففنزويلا احتفظت بمركز قومي واحد على الرغم من أزماتها، أما سوريا فتدخل مرحلة إعادة تعريف للهوية الوطنية نفسها، بعد تفكك سلطتها التقليدية وظهور مراكز نفوذ متعددة. فالدرس الفنزويلي في الحالة السورية يتعلق بقدرة المجتمع على تحويل السقوط إلى تأسيس جديد، فالدولة تقف اليوم أمام تحدٍ أساسي في بناء نفسها.
لا يمكن النظر إلى ما جرى في سوريا بوصفه تحولاً سياسياً فقط، بل انعطافاً في معنى الدولة نفسها. فالمسافة بين سقوط النظام وبداية التأسيس الجديد ليست زمناً فاصلاً بقدر ما هي اختبار للوعي في تجاوز منطق البقاء إلى مشروع وجود. الدرس الفنزويلي تحذير من أن الدولة التي تتكيف مع الانهيار تفقد قدرتها على النهوض، ومستقبل سوريا لن يرسم على طاولة التفاهمات وحدها، بل في قدرتها على الانتقال من الجغرافيا بوصفها ساحة تنازع إلى إطار وطني جامع، يعيد تعريف السلطة بوصفها وظيفة عامة لا احتكاراً، والسيادة بوصفها علاقة بين المجتمع والدولة لا بين المركز والأطراف.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة