العملة السورية الجديدة: مخاوف وتحديات في الشرق السوري من تداعيات "حذف الأصفار"


هذا الخبر بعنوان "العملة الجديدة.. هواجس في الشرق السوري من “حذف الأصفار”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بدأ المصرف المركزي السوري، قبل عدة أيام، بضخ الفئات النقدية الجديدة في الأسواق، في إطار خطة تهدف إلى تسهيل التداول النقدي وتقليل حجم الأوراق المتداولة. وبينما بدأت هذه العملة تظهر تدريجيًا في المدن السورية، لا تزال مناطق شمال شرقي سوريا، الخاضعة لسيطرة "الإدارة الذاتية"، تعيش حالة من "الانتظار القلق". ويأتي هذا القلق في ظل غياب قنوات الصرف الرسمية وتصاعد المخاوف من استغلال محلات الصرافة لعملية الانتقال.
تتفاقم هذه المخاوف مع غياب آلية واضحة لتنفيذ عمليات الاستبدال، وذلك نتيجة لغياب مؤسسات الدولة، وخاصة المصارف، في المنطقة. في المقابل، يؤكد المصرف المركزي في سوريا، على لسان حاكمه عبد القادر الحصرية، على "دور القطاع المصرفي في دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز مسارات التعافي" وتنفيذ آليات الاستبدال. وقد أشار النائب الأول لحاكم مصرف سوريا المركزي، مخلص الناظر، في منشور عبر حسابه في منصة "إكس"، إلى أن "معيار النجاح لا يرتبط بالشكل، وإنما بآلية الإدارة والتنفيذ على أرض الواقع"، وهو ما يغيب بشكل واضح في الشرق السوري.
في مدينة الحسكة، حيث تغيب الأفرع الفعالة للمصرف المركزي التي تقدم خدمة الاستبدال المباشر، يجد السكان أنفسهم مضطرين للتعامل مع السوق الموازية لتصريف مبالغهم. إبراهيم العلي (42 عامًا)، وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية في سوق الحسكة، صرح لعنب بلدي بأن "المشكلة ليست في شكل الورقة، بل في من سيوصلها إلينا وبأي ثمن". وأضاف إبراهيم: "الصرافون هنا سيتحدثون عن عمولات مقابل تبديل العملة القديمة بالجديدة بحجة تكاليف الشحن. هذا يعني أننا سنخسر نسبة من قيمة أموالنا قبل أن نشتري بها شيئًا".
يكمن التخوف الأكبر لدى التجار في "التقريب السعري" الذي قد يفرضه الواقع الجديد، وهو ما يرونه تحديًا سيواجهونه مع زبائن المفرق. وقال محمود العايش (51 عامًا)، وهو تاجر جملة للمواد الاستهلاكية في مدينة الحسكة، إن غياب الفئات الصغيرة (الفكة أو الفراطة) سيخلق إرباكًا كبيرًا. وأوضح: "نحن تجار نبيع بالصناديق والكميات الكبيرة، لكن المشكلة ستبدأ عند محال المفرق. عندما نورد بضاعة يكون سعر القطعة فيها مثلاً 13,500 ليرة قديمة، ستصبح بالجديدة 135 ليرة". وأشار التاجر محمود إلى أنه في حال عدم توفر فئات الـ 5 ليرات الجديدة بكثرة، سيضطر تاجر المفرق لرفع السعر فورًا إلى 140 أو 150 ليرة لجبر الكسر، وهذا سيخلق غلاءً تراكميًا يتحمله المواطن وحده.
في حافلات النقل الداخلي (السرافيس)، بدأ الركاب يتداولون سيناريوهات "أزمة الفكة" القادمة التي قد ترفع تكاليف المعيشة اليومية. تتحدث مريم الخالد (28 عامًا)، وهي موظفة في إحدى المنظمات المحلية، عن توقعاتها قائلة: "أجرة السرفيس حاليًا 2000 ليرة. وبالعملة الجديدة ستصبح 20 ليرة. إذا لم تتوفر فئات الـ 5 والـ 10 ليرات بكثرة، سيجبرنا السائقون على دفع 25 أو 50 ليرة بحجة عدم وجود فكة. نحن نتحدث عن زيادة يومية قد تصل إلى 20% في تكاليف التنقل البسيطة".
لا تقتصر المخاوف على المعاملات اليومية، بل تمتد إلى الالتزامات المالية طويلة الأمد كالديون والمهور الموثقة بالليرة السورية، والتي ينظر إليها السكان من منظور "القيمة الشرائية" لا الأرقام المجردة. خلف المحمد (55 عامًا)، وهو مزارع من ريف الحسكة الجنوبي، قال إن "هناك حالة من عدم التصديق النفسي. أحد الجيران يطالب بسداد دينه البالغ 10 ملايين ليرة فورًا بالعملة القديمة، لأنه يرفض استلامها 100 ألف ليرة بالجديدة. الناس يشعرون أن القيمة نقصت بنقص الأصفار، وهذا بدأ يسبب مشاحنات في المجالس حول العقود والديون القديمة".
كما بدأت بعض عقود الزواج "المؤجلة" تثير نقاشات حادة. وأشار المحامي أحمد الثليج إلى أن "هناك ضبابية قانونية؛ فالعقد المسجل بـ 50 مليون ليرة قبل عامين، تعادل قيمته الشرائية اليوم مبلغًا معينًا، وتحويله إلى 500 ألف ليرة جديدة يجعل الرقم يبدو هزيلًا جدًا، مما دفع بعض العائلات للمطالبة بإعادة تقييم المهر بناءً على سعر الذهب أو الدولار لتجنب الغبن".
تعاني مناطق شرق الفرات من ارتباط عضوي بالعملة السورية مع انقطاع إداري عن السياسات النقدية المركزية. ومع غياب أي تعميم رسمي من "الإدارة الذاتية"، التي تسيطر على المنطقة، حول آلية تنظيم تداول العملة الجديدة أو حماية المدخرات من عمولات الصرافين، يبقى المواطن عرضة لتقلبات السوق واجتهادات التجار. بين ليرة قديمة أثقلت الجيوب، وجديدة تثير الريبة، ينتظر سكان الشرق السوري وصول الأوراق النقدية لترجمة الأرقام إلى واقع معيشي، وسط آمال ضعيفة بأن تسهم في كبح جماح التضخم لا زيادته.
وكان الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، أصدر المرسوم رقم "293" لعام 2025، القاضي باستبدال العملة الوطنية ومنح المصرف المركزي صلاحيات كاملة في تحديد آليات التطبيق وجدول الاستبدال وضخ الفئات الجديدة في الأسواق. وقد بدأت عمليات استبدال العملة، في 3 من كانون الثاني، بست فئات نقدية هي: 5، 10، 25، 50، 100، 500 ليرة سورية (جديدة).
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد