سوريا تعلن عن مطالبات مالية مضادة لإيران وروسيا تفوق ديونهما: تعويض عن دمار الحرب ومبدأ 'الديون البغيضة'


هذا الخبر بعنوان "سوريا تواجه مطالبات إيران بديون الحرب: التعويض مقابل الدمار" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة تعد الأولى من نوعها، كشف وزير المالية السوري محمد يسر برنية عن توجه رسمي لإعداد مطالبات مالية مضادة ضد إيران. هذه المطالبات، بحسب برنية، قد تتجاوز بأضعاف قيمة الديون التي تطالب بها طهران، وذلك كتعويض عن الدمار الهائل الذي تسبب به تدخلها في سوريا على مدى سنوات النزاع. وقد أثارت هذه التصريحات، التي أدلى بها خلال مقابلة مع برنامج "صالون الجمهورية" على منصة "سوريا الآن"، نقاشاً واسعاً حول مستقبل الديون الخارجية، ونطاق المسؤولية الدولية، وإمكانية توسيع هذه المطالبات لتشمل دولاً أخرى، أبرزها روسيا.
وصف برنية الديون المستحقة لكل من إيران وروسيا بأنها "بغيضة"، مؤكداً أن الحكومة السورية قد بدأت مسارات تفاوضية لمعالجة الدين الخارجي، الذي يقدر بنحو 4.5 مليارات دولار. وأوضح الوزير قائلاً: "إذا هم يطالبون بمبلغ معين، فنحن سنطالب بأضعافه، نتيجة مساهمتهم في تدمير البلد"، في إشارة واضحة إلى التكاليف الباهظة للتدخلات العسكرية وما ترتب عليها من خسائر بشرية ومادية جسيمة.
وعلى صعيد الموازنة، بيّن الوزير أن الحكومة حققت فائضاً خلال الأشهر العشرة الأولى من العام، لكنه شدد على أن هذا الفائض "لا يعكس وضعاً مثالياً"، معبراً عن ذلك بقوله: "لا يمكن أن يفتخر أحد بأن لديه أموالاً في جيبه وأطفاله جوعانين، ومدارسه مدمرة، ومشافيه تحتاج إلى إعادة تأهيل". وأشار إلى أن هذا الفائض لم يكن نتاج تعافٍ اقتصادي شامل، بل جاء نتيجة لجهود مكافحة الفساد وضبط الإنفاق.
وفي سياق الانضباط المالي والشفافية، لفت برنية إلى أن تقييد الصرف على المشاريع غير المكتملة أثر إيجاباً على المالية العامة، لكنه لم يلغِ الحاجة الماسة لتوجيه الموارد نحو القطاعات الاجتماعية. وأكد على أن الشفافية "شرط للثقة الشعبية"، متعهداً بنشر تقارير مالية دورية بعد إقرار الموازنة، ومشدداً على دور المواطن كشريك في الرقابة والمساءلة. وبخصوص السياسة النقدية، أوضح أن استقرار الليرة السورية يعتمد بشكل أساسي على الانضباط المالي وعدم تمويل العجز من المصرف المركزي، مشيراً إلى أن الحكومة سددت جميع السلف المستحقة للمصرف، وأن الدين الداخلي أصبح صفراً. كما نفى وجود توجه دائم نحو "الدولرة"، معتبراً استخدام الدولار مرحلة انتقالية تهدف إلى الوصول لمرحلة يثق فيها المواطن بالليرة ويتعامل بها دون قلق.
تأتي هذه التصريحات في ظل تأكيد طهران، أواخر ديسمبر 2024 وعقب سقوط نظام الأسد السابق في 8 ديسمبر 2024، أن الديون المستحقة على نظام الأسد السابق ستتحملها الحكومة السورية القادمة. واعتبرت إيران أن المعاهدات والاتفاقيات الثنائية لا تزال سارية وستنتقل إلى السلطة الجديدة. وعلى الرغم من إقرار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بوجود "مبالغة" في حجم الديون المتداولة إعلامياً، إلا أنه شدد على استمرار الإطار التعاقدي، معرباً عن أمل بلاده في مرحلة انتقالية سلمية بسوريا.
اعتبر الباحث الاقتصادي في مركز عمران للدراسات، معاذ القاسم، أن تصريحات وزير المالية تمثل موقفاً رسمياً غير مسبوق للدولة السورية على الصعيدين الإقليمي والدولي. وأوضح القاسم، في حديث لمنصة سوريا 24، أن الحكومة السورية تعمل منذ سقوط النظام السابق على تطوير آليات لمواجهة المطالبات الإيرانية، مؤكداً حقها في ذلك من الناحيتين الاقتصادية والقانونية.
من الناحية الاقتصادية، أشار القاسم إلى أن سوريا يمكن أن تطالب إيران بتعويضات قد تصل إلى 300 مليار دولار. يستند هذا التقدير إلى كلفة إعادة الإعمار التي تبلغ نحو 400 مليار دولار، وتشمل الخسائر البشرية والبنى التحتية والاقتصادية على مدار 14 عاماً. كما يعتمد هذا الطرح على حجم الدعم الإيراني المباشر للنظام السابق، والذي شمل قروضاً ائتمانية وعقوداً طويلة الأمد، بالإضافة إلى الدعم اللوجستي وتمويل ميليشيات متعددة الجنسيات.
أما قانونياً، فيرى القاسم أن دمشق تستطيع الطعن بهذه الديون استناداً إلى مبدأ "الديون البغيضة" (Odious Debts)، وذلك بالاعتماد على اتفاقية فيينا لعام 1983. هذه الاتفاقية تتيح إلغاء الديون المرتبطة بالدعم العسكري والقمع الداخلي، شريطة إثبات أنها لم تحقق منفعة عامة ولم تُبرم ضمن الأطر الدستورية الصحيحة.
وتعززت خلفية هذا السجال بوثيقة سرية مسرّبة من مؤسسة الرئاسة في النظام الإيراني، نُشرت نهاية عام 2023، كشفت أن طهران أنفقت أكثر من 50 مليار دولار لدعم النظام السابق. في المقابل، كان هناك التزام سوري غير نقدي بسداد نحو 18 مليار دولار عبر مشاريع وعقود طويلة الأمد، وُصفت بأنها عديمة الجدوى الفنية أو الاقتصادية. كما أقر مسؤولون إيرانيون، منهم اللواء يحيى رحيم صفوي، بأن التدخل في سوريا "لم يكن مجانياً"، وأن روسيا حققت استفادة اقتصادية أكبر من إيران جراء هذا التدخل.
وفيما يخص روسيا، أوضح المختص بالقانون الدولي المعتصم الكيلاني، في حديث لمنصة سوريا 24، أن الإطار القانوني للمطالبة بالتعويض يستند إلى وجود فعل غير مشروع، وضرر يمكن تقديره، وعلاقة سببية بينهما. ووفقاً للكيلاني، يمكن لسوريا نظرياً المطالبة بتعويضات من إيران، وحتى من روسيا، في حال إثبات أن تدخلاتهما تجاوزت حدود "المساعدة المشروعة"، وأسفرت عن تدمير منشآت مدنية، وسقوط ضحايا، وإطالة أمد النزاع.
إلا أن الملف الروسي، بحسب الكيلاني، يتسم بتعقيد أكبر على الصعيدين السياسي والقانوني، نظراً لعضوية موسكو الدائمة في مجلس الأمن ودورها المحوري في أي ترتيبات انتقالية أو مشاريع إعادة إعمار. ومع ذلك، فإن التدخل بطلب رسمي لا يعفي أي دولة من الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، ولا يسقط مسؤوليتها عن جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة.
ويرى الكيلاني أن الطرح السوري، حتى لو لم يؤدِ إلى أحكام قضائية ملزمة، يحمل فائدة استراتيجية كبرى. فهو يمثل أداة تفاوض سيادية تعيد التوازن في أي نقاش حول الديون، وتمنع حصر صورة سوريا كدولة "مدينة" فحسب. كما يسهم في ترسيخ رواية قانونية مضادة، ويحول ملف الأضرار إلى أصل تفاوضي في أي تسوية مستقبلية، سواء عبر المحاكم الدولية أو من خلال تسويات سياسية-قانونية شاملة.
في الختام، تبدو المطالبات المالية المضادة، التي طُرحت رسمياً للمرة الأولى، خطوة تتجاوز البعد المالي لتلامس جوهر إعادة تعريف العلاقة مع حلفاء الأمس، وتضع كلفة الحرب على طاولة المساءلة، حتى وإن كان الطريق طويلاً.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة