اتفاق العاشر من آذار في حلب: صراع النفوذ بين قسد ودمشق وتدخلات دولية ترسم المستقبل


هذا الخبر بعنوان "بين المواجهة والتهدئة.. مستقبل اتفاق العاشر من آذار على صفيح ساخن في حلب" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد مدينة حلب، وخاصة حيي الأشرفية والشيخ مقصود، مواجهات واشتباكات عنيفة متقطعة، تصل أحياناً إلى حافة الحرب العلنية، قبل أن يتم الإعلان عن هدنة بين طرفي الصراع: قوات سوريا الديمقراطية "قسد" والحكومة السورية. هذه الاشتباكات لا تكاد تهدأ، وتتزامن مع مفاوضات مستمرة بين الطرفين حول اتفاق العاشر من آذار، الذي انتهت مهلته المحددة العام الماضي.
توجهت الأنظار مؤخراً إلى الزيارة التي قام بها قائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" مظلوم عبدي إلى دمشق، خاصة وأنها جاءت بعد انتهاء المهلة المحددة لاتفاق العاشر من آذار في نهاية العام الماضي. حملت الزيارة، وفقاً لتقارير صحفية، أبعاداً سياسية وميدانية، وتضاربت المعلومات حول النقاط التي تم الاجتماع لأجلها.
ففي وقت سابق، أشارت تقارير إلى أن الاجتماع ركز على ملف تنظيم "داعش" ومواجهة التحديات التي يفرضها. بينما ذكرت تقارير أخرى أن الاجتماع جاء لاستكمال نقاط الخلاف السابقة، ومنها دمج القوات ضمن الجيش السوري وملف النفط.
وسط هذه التطورات، تسعى واشنطن إلى ضمان استقرار نفوذها في المنطقة، مما دفعها للضغط على "قسد" في الاجتماع الأخير، خشية انزلاق الأطراف المعنية بالاتفاق إلى مواجهات عسكرية. في المقابل، تحاول تريا فرض قواعد جديدة ضمن الاتفاق، وهو ما أشارت إليه التقارير في الزيارات الأخيرة المكثفة لتركيا.
يرى المحلل السياسي الكردي شيروان يوسف أن سيناريو المواجهة الشاملة يعد مستبعداً، نظراً لما قد يحمله من كلفة مدمرة للطرفين، واحتمال تحوله إلى حرب أهلية واسعة. فـ"قسد" لا تزال تحتفظ بثقلها الأمني والشعبي في حلب، بينما تشهد مناطق الساحل والسويداء حالة من عدم الاستقرار، وعدم قدرة الحكومة على فرض سيطرتها الكاملة.
وحذر يوسف من خطر استغلال أطراف إقليمية، مثل إيران، لحالة الفراغ الأمني في الساحل السوري، إلى جانب عودة نشاط خلايا تنظيم "داعش" التي قد تستفيد من الفوضى لإعادة تنظيم صفوفها في المناطق الشرقية وحتى في محيط العاصمة دمشق. المخاطر، بحسب يوسف، تبقى قائمة، خصوصاً في ظل إصرار تركيا على ربط ملف شمال شرق سوريا بالداخل التركي، واستمرار أطماعها في الساحة السورية، إضافة إلى إصرار دمشق على خيار الدمج دون تقديم ضمانات دستورية، ما قد يفضي إلى استمرار الوضع القائم، أو إلى تصعيد تركي محدود يأخذ شكل عمليات عسكرية أو ضربات مركزة تستهدف البنية التحتية في شمال شرق سوريا.
وعليه، يبدو أن خيار تمديد المهلة وإدارة الأزمة هو السيناريو الأكثر واقعية، وفقاً ليوسف. وذلك عبر إبرام اتفاقيات أمنية ميدانية، والانفتاح على مقترحات قسد بالاندماج ضمن وزارة الدفاع من خلال ألوية محلية، والمشاركة في قرار السلم والحرب عبر هيئة الأركان، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي في ملفات النفط والمعابر الحدودية، وإيجاد صيغة محدودة لسلطة دمشق في شمال شرق سوريا كإجراءات لبناء الثقة، تمهيداً للانتقال إلى القضايا السياسية والإدارية الأكثر تعقيداً.
وعن زيارة عبدي الأخيرة، قال يوسف إنها لم تكن "مناورة" أو تحت أي ضغط، بل كانت مجدولة لاستكمال التفاهمات العامة وبحث تفاصيلها. وقد تأجلت الزيارة في نهاية العام الفائت بسبب عدم استكمال الترتيبات اللوجستية من قبل "قسد"، لتتم في الرابع من هذا الشهر.
ونوه يوسف إلى أنه لا يوجد أي بند في اتفاقية العاشر من آذار يشير إلى انتهاء مهلة الاتفاق نهاية العام الفائت، وإنما تتحدث الاتفاقية في أحد بنودها عن "سعي" اللجان التنفيذية إلى تطبيق الاتفاق قبل نهاية العام 2025، لافتاً إلى أن الاتفاقية بحاجة إلى المزيد من الوقت وترتيبات دقيقة وتفاصيل واضحة أكثر.
أجاب يوسف على سؤال حول الطرف الأقوى والمضطر بين "قسد" ودمشق قائلاً: "الموضوع هنا نسبي، كل طرف يفسر الاستقرار والاندماج وشكل الحوكمة بما يناسب مصالحه الاستراتيجية في سوريا." وأضاف أن دمشق بحاجة إلى تنفيذ الاتفاق كي لا تتسع بقعة تحالفات قسد ضمن سوريا مع العلويين والدروز، ومن جهة أخرى تريد إزالة العقبة الأكبر من أمامها للسيطرة على كامل الأراضي السورية والحفاظ على مركزيتها لترسيخ رؤيتها في إدارة سوريا. لكن "قسد" تفسر الموضوع برؤية مختلفة تماماً، فهي تريد لامركزية سياسية وحتى عسكرية نتيجة عدم الثقة بالحكومة الحالية، خاصة بعد ما شهدته مناطق الساحل والسويداء من مجازر وما تشهده بعض مناطق قسد في خطوط التماس، وخاصة حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، ناهيك عن خطاب الكراهية المقيت ضد مناطق شمال شرق والمكون الكردي. "قسد" تريد نجاح الاتفاق وتفسره على أنه شراكة في صناعة القرار وإدارة الدولة.
وعن الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة بالنسبة للاتفاق، قال يوسف إن اتفاقية 10 آذار مهمة واستراتيجية للولايات المتحدة في سوريا لبناء اندماج حقيقي وشراكة استراتيجية بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الحالية للحفاظ على الاستقرار ومنع الفراغ الأمني، مشدداً على أنه تشجيع ودفع ضمن الرؤية السياسية والأمنية للولايات المتحدة في سوريا والمنطقة أكثر من أن يكون ضغطاً أو تهديداً.
فالولايات المتحدة التي دخلت إلى سوريا عبر الشراكة الاستراتيجية مع قوات سوريا الديمقراطية ومحاربتها تنظيم "داعش" ضمن التحالف الدولي، هزمت التنظيم في عاصمته الرقة وآخر معاقله الباغوز، بحسب يوسف، الذي أضاف أن هذه الشراكة بنت ثقة كبيرة بين الأميركيين و"قسد" التي أصبحت الشريك الفعال والموثوق لهم في المنطقة. من جهة أخرى، عملت الولايات المتحدة على دعم الحكومة السورية الحالية ورفع العقوبات عن سوريا وبناء علاقات سياسية رفيعة المستوى ودعمها في مجالات عديدة، للحفاظ على الاستقرار وسد الفراغ الأمني لمنع عودة تنظيم "داعش" أو أية جهة راديكالية أخرى.
من ناحية أخرى، أوضح يوسف أن الولايات المتحدة الأمريكية لها مصالحها في كل العالم ولها أولوياتها وترتيباتها السياسية والعسكرية. فبعد هزيمة محور المقاومة وقطع أوصاله، تراجعت إيران إلى جحرها مع سقوط نظام الأسد في سوريا، مؤكداً على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى هذه البقعة التي تسمى سوريا على خارطة الشرق الأوسط بأن تكون مستقرة لمنع إيران من توصيل محورها الإقليمي حتى لبنان وقطع الإمدادات عن بقايا "حزب الله" وحصرها في حيزها الجغرافي وأزماتها الداخلية. إلى ذلك، تريد الولايات المتحدة المزيد من الاستقرار في سوريا لمنع عودة تنظيم "داعش" وتدمير خلاياه المنتشرة في كامل الأراضي السورية، وخاصة بعد عودة نشاط التنظيم بعد سقوط نظام الأسد واستغلال الفوضى والفراغ الأمني في سوريا، على حد تعبيره.
وعن الدور التركي، بحسب يوسف، فإن تركيا تسعى إلى ربط ملف شمال شرق سوريا بمسار المفاوضات الجارية في الداخل التركي مع حزب العمال الكردستاني، بما يضمن عدم ارتفاع سقف المطالب الكردية في سوريا، تفادياً لانعكاس ذلك على الداخل التركي. وفي المقابل، تحاول أنقرة مواءمة أي تقدم في مفاوضات "قسد" مع دمشق مع مسار حوارها مع حزب العمال الكردستاني، وربما تأجيل الحسم في الملف السوري إلى ما بعد التوصل إلى تفاهم مع عبد الله أوجلان، نظراً لتأثيره على الأكراد في سوريا.
لذلك، تارة تحاول تركيا مع الأميركيين في الدخول إلى صفقة ضد قوات سوريا الديمقراطية، وتارة مع الروس وأطراف سورية وإقليمية عدة. التواصل مع الروس هو الاستحواذ على موالاتها في سوريا الجديدة وتنسيق علاقات مع الحكومة السورية الحالية لدعم سوق الأسلحة الروسية في سوريا، بمقابل عدم تدخل أو معارضة روسيا لأي خطوة تركية ضد قسد السياسي أو العسكري، على حد قوله. مضيفاً أن روسيا ما زالت تسيطر على مطار القامشلي الدولي وتحتفظ بوجود فعال هناك، ومن جهة أخرى تبدو الولايات المتحدة الأميركية داعمة لموقف "قسد" تجاه تركيا والحكومة السورية. إلا أن يوسف يؤكد أنه بالرغم من الضغط التركي، فإن الوقائع تشير إلى وجود تفاهم ضمني يقضي بحصر حل ملف قسد في الإطار السوري، بعيداً عن الصراع الداخلي التركي.
بدوره، أوضح المحلل السياسي عباس شريفة أن الدولة السورية راغبة استراتيجياً بالتفاوض والوصول إلى حل على أساس اتفاق آذار / مارس. بينما "قسد" حريصة فقط على التفاوض بدون الوصول إلى حل، معتبراً أن "قسد" تضع ضمن أهدافها الحفاظ على كتلتها العسكرية وبنيتها الإدارية وتمرير مشروع "الفدرلة" وهو في جوهره عملية انفصال غير معلنة.
وعن الضغوط التي تمارسها بعض الدول على الأطراف المعنية بالاتفاق، قال شريفة إن هناك ضغطاً من الولايات المتحدة على الطرف المعطل لتنفيذ الاتفاق والذي يضع شروطاً مسبقة تتنافى مع جوهر اتفاق آذار. مضيفاً أنه من الواضح أن الولايات المتحدة توصلت بقناعة تامة بأن "قسد" هي من تعطل تنفيذ الاتفاق لحسابات خاصة، محاولة شراء المزيد من الوقت والعمل على مشاغلة الدولة السورية بملفات أمنية تظهر الدولة بمظهر العجز وغير القادرة على ضبط الأمن.
لا شك أن مسألة "قسد" هي مسألة دولية تتعلق بأمن المنطقة وتركيا بشكل أساسي، وروسيا هي دولة مؤثرة في الملف السوري بشكل كبير، على حد تعبيره، خصوصاً أن ثمة توجهات لدى "قسد" بتدويل القضية. لذلك تعمل الدولة السورية على حشد الموقف الدولي تجاه مبدأ سوريا دولة واحدة وجيش واحد وشعب واحد. وفي ختام حديثه، يرى شريفة أن الدولة السورية بعد حصولها على الاعتراف الدولي ودخولها في تحالف محاربة الإرهاب ورفع العقوبات عنها وتشكل شبكة من الحلفاء الدوليين لها، باتت الطرف الأقوى في المفاوضات. بينما "قسد" تعاني من عدد من الأزمات؛ فالمكون العربي يرفضها وفشلت في محاربة الإرهاب، وهناك انقسام كردي حول شرعية تمثيلها للمكون الكردي، وهناك رغبة أمريكية للانسحاب من المنطقة وفقاً لتعبيره.
اقتصاد
سوريا محلي
سياسة
سياسة