سوريا: في ظل ندرة الاختصاصيين، تمكين المجتمع كخط دفاع أول للدعم النفسي الأولي


هذا الخبر بعنوان "في ظل ندرة الاختصاصيين.. كيف يمكن لكل سوري أن يكون معالجاً نفسياً أولياً؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
إلهام عثمان: في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها سوريا، أصبح الوصول إلى طبيب نفسي رفاهية تفوق قدرة الكثيرين. فسنوات الحرب لم تقتصر آثارها على تدمير البنى التحتية للمستشفيات فحسب، بل امتدت لتطال هجرة العقول والكفاءات المتخصصة. ومع ذلك، تزداد الحاجة للدعم النفسي إلحاحاً يوماً بعد يوم، خاصة بين الأطفال، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن سد هذه الفجوة الهائلة بين الحاجة الملحة والموارد المتاحة؟
الإجابة تكمن في تفعيل "خط الدفاع الأول"، وهو ما كان محور لقائنا مع خبير علم الاجتماع عمر الحسن. استهل الحسن حديثه مع "الحرية" مؤكداً أن الحل يكمن في تمكين كل فرد ليكون جزءاً من هذا الخط الدفاعي، وذلك من خلال ما يُعرف بـ"الدعم النفسي الأولي المجتمعي". وصف الحسن هذا الدعم بأنه مجموعة من الأدوات البسيطة والفعالة التي يمكن لأي أب أو أم أو معلم تطبيقها للمساعدة في تخفيف آثار الصدمة النفسية.
يسترسل الحسن في شرحه، مبيناً أن أول ما يفقده الطفل في بيئة الحرب هو الشعور بالأمان، حيث يصبح كل شيء فوضوياً وغير متوقع. لذا، فإن الأداة العلاجية الأولى والأكثر أهمية هي إعادة بناء الروتين. يشمل ذلك تحديد أوقات ثابتة للاستيقاظ، والوجبات، والدراسة، واللعب، وحتى النوم. هذا الروتين البسيط يخلق هيكلاً يومياً يمكن للطفل الاعتماد عليه، مما يقلل بشكل كبير من مستويات القلق والتوتر الناتجة عن عدم اليقين. وفي البيئة المدرسية، يساهم جدول الحصص الثابت ورنين الجرس في أوقات محددة في استعادة هذا الإحساس بالاستقرار لدى الأطفال.
يضيف الحسن أن الاستماع الفعّال يُعد شكلاً من أشكال العلاج. فعندما يرسم طفل مشهداً عنيفاً أو يتحدث عن كابوس، يكون رد الفعل الغريزي لدى العديد من البالغين هو محاولة صرف انتباهه بعبارات مثل "انسَ الأمر" أو "لا تفكر في هذه الأشياء المحزنة". هنا، يحذر الحسن من أن هذه الجمل تمثل من أكبر الأخطاء التي يرتكبها البالغون.
وينوه الحسن بأهمية الاستماع الفعّال والتحقق من صحة مشاعر الطفل. ويقول: "بدلاً من إنكار شعوره، اقترب منه وقل له: أرى أن هذا الرسم يحمل الكثير من الغضب! أو يبدو أن هذا الحلم كان مخيفاً جداً، أنا هنا للاستماع إذا أردت التحدث". فمجرد الاعتراف بألم الطفل والجلوس معه في تلك اللحظة هو بحد ذاته علاج، فهو يوحي له بأن مشاعره مسموعة ومقبولة وليست شيئاً يجب أن يخجل منه.
يلفت الحسن إلى ضرورة تفريغ التوتر من الجسد، موضحاً أن الصدمة لا تسكن في العقل فقط، بل تتجذر في الجسد أيضاً. فالقلق والتوتر والخوف تتراكم في عضلات الطفل وتظهر على شكل عدوانية، أو فرط حركة، أو خمول شديد. ويبين الحسن أن اللعب المنظم والأنشطة الحركية، مثل الألعاب الجماعية ككرة القدم، أو سباقات الجري، أو حتى الرقص والموسيقى في ساحة المدرسة، ليست مجرد ترفيه، بل هي أنشطة حيوية تساعد الأطفال على تفريغ الطاقة المكبوتة بطريقة صحية وآمنة.
ومن طرق تفريغ الطاقة في المنزل التي يمكن اتباعها مع الأطفال في سن مبكرة، يذكر الحسن عدة ألعاب منها: لعبة المشي على الذراعين، لعبة ترتيب الكراسي، لعبة الحصان فوق الظهر، والأرجوحة المقلوبة، وجر الطفل على الأرض، ودراجة الساقين، ولعبة المشي على القدمين والرجلين. ويضيف الحسن أن هناك ألعاباً للأطفال الأكبر سناً تتطلب تعاوناً وتلامساً جسدياً (مثل ألعاب بناء الفريق)، والتي تسهم في إعادة بناء الثقة بالآخرين والروابط الاجتماعية التي دمرتها الحرب.
يختتم الحسن حديثه بالتأكيد على أن مواجهة الأزمة النفسية الهائلة في سوريا لن تتم من خلال بناء عيادات فاخرة، بل عبر تسليح المجتمع بأكمله بهذه الأدوات البسيطة. فعندما يصبح كل معلم قادراً على احتواء غضب طالب، وكل أم قادرة على طمأنة طفلها بعد كابوس، عندها فقط يبدأ الشفاء الحقيقي من القاعدة إلى القمة.
سياسة
صحة
سياسة
صحة