حي جوبر الدمشقي: عامٌ على "التحرير" والعودة مؤجلة.. الأهالي بين وعود الإعمار وواقع الدمار


هذا الخبر بعنوان "إعادة إعمار جوبر.. عامٌ على التحرير متى ينتهي التهجير؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مر عام كامل على "تحرير" حي جوبر الدمشقي، وما زال أهاليه خارج بيوتهم، عالقين بين وعود الإعمار والتصريحات المطمئنة والزيارات الرسمية. تتواصل تساؤلاتهم المعلقة حول سبب عدم عودتهم إلى جوبر بعد مرور عام على التحرير، مما يجعل الحديث عن إعادة إعمار الحي ضرورة ملحة.
يعد حي جوبر، وفقاً لـ سناك سوري ومحمد نفيسة، واحداً من أقدم أحياء مدينة دمشق وأكثرها ارتباطاً بتاريخ العاصمة ومحيطها. يحده غرباً أحياء باب توما والقصاع والتجارة، وشمالاً القابون، وشرقاً زملكا. وقد بلغ عدد سكانه، بحسب مجلس جوبر المحلي، نحو 300 ألف نسمة عام 2011.
مع بدايات الثورة السورية، برز الحي كأحد أهم رموز الحراك الشعبي في دمشق، قبل أن يتحول لاحقاً إلى ساحة مواجهة طويلة بين قوات النظام وفصائل المعارضة. تعرض الحي لسنوات من القصف المكثف الذي طال منازله ومساجده وأسواقه ومعالمه التاريخية. تشير جولة سريعة وتحليل للصور والمسوحات إلى أن غالبية مباني الحي تعرضت للدمار والتلف الجزئي أو الكلي، حيث تقدر بعض المصادر نسبة الدمار الكلي والجزئي بنحو 90%.
بعد 7 سنوات من التهجير، شهد الحي معركة طاحنة عام 2017 أسفرت عن هذا الدمار الهائل وتهجير السكان. عاد الأهالي بعد إسقاط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، وتمكنوا من دخول حيهم للمرة الأولى منذ سنوات. لكن المشهد الذي رأوه لم يكن مجرد آثار حرب، بل دماراً مضاعفاً خلّفته ميليشيات النظام البائد التي استكملت هدم ما بقي من المنازل والمنشآت، عبر تكسير الأبنية وسرقة الحديد من الأعمدة والأسقف بشكل ممنهج. (لقطة جوية لحي جوبر من الجو.. عبد الرحمن دلال)
الترميم ممنوع.. وخوفٌ على الملكيات
بدأ بعض الأهالي بترميم منازلهم في محاولة للعودة إليها، قبل أن تبلغهم البلدية بوقف الترميم. دخل الأهالي في دوامة معقدة وتقاذف للمسؤوليات حول الجهة التي تمنع الترميم وتعوق عودتهم. يرد المكتب الإعلامي في محافظة دمشق على سؤال حول منع الترميم الفردي بالقول: «المنع يأتي للحفاظ على السلامة العامة، لأن الأبنية المتضررة قد تشكل خطراً على حياة الأهالي في حال ترميمها دون إشراف هندسي».
يقول سامر الفيومي، أحد أبناء حي جوبر: «لا نملك رفاهية الانتظار فسبق وانتظرنا هذه اللحظة قرابة 10 سنوات، لقد شكّلوا لجنة وضعت دراسة ونخشى أن تستمر هذه الحالة سنوات طويلة أخرى». لا تقدم السلطات مبررات مباشرة للسكان حول أسباب القيود على ترميم المنازل، بينما خطط إعادة إعمار جوبر ما تزال على الورق فقط.
تعبر عائشة غنون، إحدى أصحاب الشقق في الحي، عن قلقها حول حقوق الملكية، قائلة: «مشكلتنا الأساسية اليوم هي إخراج الملكيات من دائرة الخطر، إذا هُدم الحي بالكامل لن نملك دليلاً نثبت فيه بيوتنا. نحن نعيش في خوف يومي من ضياع حقّنا». وتعليقاً على قضية الملكيات، يقول المحامي عبد الله إدريس، من سكان الحي لـ سناك سوري: «يجب تثبيت أملاك الناس قبل أي خطوة… وإلا لن يستطيع أحد العودة إلى بيته».
دفع هذا الواقع الأهالي للخروج في وقفة احتجاجية دعوا فيها محافظة دمشق إلى إعلان المخطط التنظيمي الخاص بالمنطقة. ورفع المشاركون شعارات تطالب بتسريع العمل في ملف إعادة الإعمار، والبدء بخطوات تنفيذية، وتأمين سكن بديل للمتضررين.
التخطيط الهندسي… خارطة طريق على الورق
يوضح الأستاذ أحمد قويدر، مسؤول لجنة الارتباط مع محافظة دمشق، أن العمل الجاري حالياً يتركز على إعداد مخطط هيكلي عام يشمل الأحياء الثلاثة المدمرة والمتجاورة جغرافياً: حي جوبر، القابون السكني، والقابون الصناعي، رغم كونها مناطق منفصلة إدارياً وتتبع لمحافظة دمشق.
يشير قويدر إلى أن لكل منطقة من هذه المناطق وضعاً تخطيطياً مختلفاً؛ إذ إن مخطط حي جوبر أُعد سابقاً لكنه لم يُقر بعد، في حين تم إقرار المخططين الخاصين بكل من القابون السكني والقابون الصناعي. ورغم هذا التباين، فإن الأحياء الثلاثة تشكل معاً المدخل الشرقي للعاصمة دمشق، وتعد من أكثر المناطق تضرراً، ما يستوجب – بحسب رأيه – اعتماد رؤية عمرانية منسجمة ومتكاملة، تربط هذه الأحياء ببعضها من جهة، وبمدينة دمشق وأحياء الغوطة وريف دمشق من جهة أخرى.
وبحسب قويدر، فقد جرى اعتماد هذا التوجه بعد مشاورات مع عدد من الاستشاريين، باعتباره الحل الأنسب في المرحلة الحالية، لاسيما في ظل وجود تداخل إداري بين محافظة دمشق ومحافظة ريف دمشق في بعض المناطق. ويجري حالياً العمل على تحديد الحدود الإدارية بدقة، بالتوازي مع إعداد مخطط وظيفي لكل حي، يتضمن احتياجات السكان والعوامل الأساسية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند التخطيط لإعادة إعمار جوبر.
خطة حي جوبر لا جدول زمني لتنفيذها!
يضيف قويدر أن هذا المخطط الوظيفي لإعادة إعمار جوبر لا يعد مخططاً تفصيلياً للبناء، بل يهدف إلى رسم الملامح العامة للأحياء، وتحديد شبكات الطرق والاتصال بينها. وبعد الانتهاء من هذه المرحلة، سيتم الانتقال إلى المرحلة الثانية، حيث يصار إلى إعداد مخططات تفصيلية مستقلة لكل منطقة، تستند إلى مطالب الأهالي والثوابت الاجتماعية والعمرانية الخاصة بكل حي. وفي مرحلة لاحقة، يوضح قويدر أنه سيتم عرض هذه البيانات على مطورين عقاريين، ليقدموا بدورهم مقترحات لمخططات هيكلية، تستكمل لاحقاً بمخططات تفصيلية، وفق الأطر القانونية والفنية المعتمدة. وعن المدة الزمنية المتوقعة لإصدار المخططات، يؤكد قويدر أن عامل الزمن يعد التحدي الأبرز حالياً، في ظل تعقيدات فنية وإدارية متعددة.
تباين داخل اللجان.. هدم الحي أو ترميمه
يشير أحد المهندسين الذين شاركوا في لجان تقييم الأبنية في حي جوبر، وفضل عدم الكشف عن هويته، إلى وجود تباين في وجهات النظر داخل الفرق الفنية التي عملت على الأرض، بين من يرى أن الحي بحاجة إلى إعادة إعمار شاملة، ومن يعتقد بإمكانية الترميم في بعض المواقع. وامتنع المصدر عن تقديم تصريح رسمي خشية أن يُحسَب موقفه لصالح أحد الطرفين، مؤكداً حساسية الملف وتعقيده، خاصة في ظل وجود تحديات تقنية وأمنية كشبكة الأنفاق التي لا يزال تأثيرها موضع خلاف.
أنفاق ومخلفات حرب .. عوائق عملية
تشكل الأنفاق المنتشرة في حي جوبر أبرز عوائق الترميم حالياً، هذه الأنفاق التي حفرت خلال المواجهات بين الفصائل والنظام السوري قبل عام 2017 شكّلت أكبر تحدي للجهات الفنية، ويقول مصدر في اللجان إنها شبكة أنفاق ضخمة ومتشعبة جداً. كذلك تعدُّ مخلفات الحرب من التحديات البارزة الثانية، حيث ينتظر أن تقوم وزارة الطوارئ بمسح الحي بحثاً عنها وإصدار تقرير يؤكد خلوه من الألغام.
20 مليار دولار تكلفة إعمار جوبر… من يمول إعمار الحي؟
تعد أزمة التمويل أكبر التحديات التي تواجه الجانب الحكومي في عملية إعادة إعمار جوبر واتخاذ قرارات كبرى حوله، فلا تبدو الحكومة قادرة على شيء حالياً باستثناء منع الترميم الفردي الذي حاول بعض الأهالي القيام به، ممن توافرت لديهم بعض المبالغ التي تساعدهم في الانتقال للسكن في منازلهم بدل الإيجار والتنقل من مكان لآخر.
يؤكد قويدر أن هذه العملية تتطلب تمويلاً خارجياً، سواء من دول أو منظمات دولية، نظراً لحجم الدمار الكبير. كما يلفت إلى المعاناة المستمرة لأهالي جوبر، الذين يعيشون حالة نزوح وعدم استقرار منذ عامي 2012 و2013، في انتظار أي خطوات ملموسة تعيدهم إلى منازلهم. ويضيف أن على محافظة دمشق أن تبذل جهوداً حثيثة في هذا الملف، معتبراً أن إعادة الإعمار «ليست بالأمر السهل، لكنها أيضاً ليست مستحيلة»، معرباً عن أمله بأن يشكّل العام 2026 بداية فعلية لمرحلة إعادة الإعمار، خاصة في ظل انتهاء العقوبات وما قد يتيحه ذلك من فرص جديدة. (مباني متضررة في حي جوبر – مؤيد الفيومي الخطيب)
تشير التقديرات الصادرة عن البنك الدولي وعدة مراكز بحثية إلى أن كلفة إعادة إعمار سوريا بالكامل تقدّر بما بين 200 إلى 400 مليار دولار أمريكي، بحسب حجم الدمار وحاجات البنية التحتية والخدمات. وبالاستناد إلى حجم الضرر الذي لحق بالعاصمة دمشق وأحيائها الشرقية، فإن حي جوبر يعد من أكثر المناطق تضرراً على مستوى البلاد، حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن نسبة إعادة الإعمار المطلوبة له قد تشكل ما بين 5 إلى 8% من الكلفة الإجمالية المخصصة لدمشق وريفها. وباحتساب هذه النسبة من مجمل كلفة الإعمار، يمكن أن تبلغ كلفة إعادة إعمار حي جوبر وحده ما بين 10 إلى 20 مليار دولار أمريكي، وهو ما يعكس حجم الدمار العميق واحتياجه لجهود إعادة بناء شاملة تمتد من البنية التحتية إلى الوحدات السكنية والخدمات الأساسية.
عام على التحرير… ولا عودة
عام كامل مرّ على "تحرير" حي جوبر، عام من الوعود، والاجتماعات، واللجان، والخطط، والتصريحات، لكن الأهالي ما زالوا خارج الحي، ينتظرون ما يشبه المستحيل. فهذا الحي بالنسبة لهم ليس ذاكرة فقط، بل هو حقوقهم وممتلكاتهم وأماكن سكنهم، وكل يوم يمر بعيداً عنه يزيد في الجرح المعنوي والمادي. هذا التقرير أعدّ ضمن مشروع ينفذه المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، بدعم من منظمة اليونيسكو، وهو يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته فقط.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي