حلب: أبعاد استراتيجية لتصعيد الشيخ مقصود والأشرفية وتأثيره على العلاقة بين دمشق وقسد


هذا الخبر بعنوان "حلب تعيد رسم التوازنات: معركة محدودة بأبعاد استراتيجية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكن التطورات العسكرية الأخيرة في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب مجرد اشتباكات عابرة، بل حملت دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز نطاقهما الجغرافي المحدود، لتؤثر على مسار الصراع السوري برمته، وتحديداً على العلاقة المعقدة بين الدولة السورية وميليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد). يشكل هذان الحيان المتجاوران في شمال حلب كتلة عمرانية متكاملة ذات أهمية استراتيجية بالغة، نظراً لإشرافهما على مناطق صناعية حيوية مثل الليرمون وطريق الكاستيلو، التي تمثل شرايين اقتصادية وأمنية رئيسية للمدينة. ومنذ سيطرة "قسد" عليهما خلال سنوات الحرب، تحولا إلى بؤرتي توتر دائم، مما جعل أي تحرك فيهما يثير اهتماماً محلياً ودولياً واسعاً.
تعددت الروايات حول خلفيات التصعيد وأهداف العملية. فوفقاً للرواية الرسمية الصادرة عن الحكومة السورية في دمشق، اقتصرت العمليات العسكرية الأخيرة على "الحفاظ على الأمن ومنع أي نشاط مسلح داخل المناطق السكنية"، مع التأكيد على توفير ممرات إنسانية لخروج المدنيين. في المقابل، نفت "قسد" وجود أي أهداف عسكرية لها داخل الحيّين، واتهمت الجيش السوري باستهداف المدنيين، محذرةً من أن التصعيد قد يدفع البلاد نحو حرب شاملة. إلا أن التحليل الميداني يشير إلى أن هذه الاشتباكات لم تكن مفاجئة، بل جاءت نتيجة لتراكم طويل من الخروقات وعدم تنفيذ التفاهمات السابقة، بما في ذلك اتفاق آذار الموقع في مارس/آذار 2025، والترتيبات اللاحقة المتعلقة بالحيّين.
قدم المحلل العسكري زياد حاج عبيد، في حديث لمنصة سوريا 24، توصيفاً مختلفاً للأحداث، مؤكداً أن ما جرى "ليس معركة بالمعنى التقليدي، بل عملية عسكرية محدودة استهدفت ميليشيات قسد في قطاعات ضيقة". وأوضح أن هذه الميليشيات "أبرمت اتفاقات سابقة للخروج من المنطقة لكنها لم تلتزم بها، واستمرت في قصف الأحياء المدنية وعرقلة الحياة اليومية في أجزاء واسعة من حلب"، مما جعل العملية، في رأيه، "ضرورة لإنهاء وجودها". وفيما يخص النتائج الميدانية، أشار حاج عبيد إلى أن العملية "أعادت الحياة تدريجياً إلى شرايين اقتصادية حيوية في المدينة"، لافتاً إلى أن المنطقة المجاورة للأحياء الصناعية تحتوي على مستودعات وورش عمل مهمة لقطاع صيانة السيارات، والتي كانت معطلة بسبب وجود الميليشيات. وخلص إلى أن هذه التطورات "قد تدفع قسد نحو الاندماج والتوافق وتنفيذ اتفاق العاشر من آذار مع الحكومة السورية"، معتبراً أن الجهات التي تدعم الميليشيا، سواء من خارج الحدود أو من جبال قنديل، "لم تكن ترغب في إنجاح مسار الاندماج".
من منظور سياسي وأمني، يرى الباحث فاضل خانجي، في حديث لمنصة سوريا 24، أن هذه المعركة "أدت إلى خسارة قسد لرهاناتها في حلب". فقد كانت قسد تعتمد على الكثافة السكانية العالية في الحيّين كورقة ضغط على الحكومة، معتقدة أن الأخيرة لن تجرؤ على شن عملية عسكرية واسعة بسبب تداعياتها الإنسانية والسياسية. إلا أن الحكومة، وفقاً لخانجي، "تبنت مقاربة شاملة ذات أبعاد عسكرية وأمنية وإنسانية"، حيث أعطت الأولوية لخروج المدنيين، واستخدمت تكتيكات دقيقة لاستهداف القدرات العسكرية لقسد، مما أجبرها في النهاية على مغادرة الأحياء. وأضاف خانجي أن هذا التصعيد جاء نتيجة لفشل الضغوط السياسية الدولية، وخاصة الأميركية، في إجبار قسد على تنفيذ اتفاق آذار، وكذلك اتفاق نيسان الخاص بالشيخ مقصود والأشرفية، الأمر الذي سيؤدي إلى "إضعاف موقفها التفاوضي حول مستقبل شمال شرق سوريا".
وضع اتفاق العاشر من مارس/آذار 2025، الذي نص على إنهاء الأعمال العدائية ونقل مناطق الجزيرة السورية ومواردها النفطية إلى سيطرة الدولة السورية، مقابل دمج تدريجي لحوالي 60 ألف مقاتل من "قسد" في الجيش السوري، إطاراً سياسياً شاملاً آنذاك. لكن تعثر تنفيذ بند الدمج وتجدد الاشتباكات بعد انتهاء المهلة المحددة، وضع هذا الاتفاق أمام اختبار حقيقي. ويرى خانجي أن "إطار اتفاق آذار لم ينهار بعد، رغم انهيار اتفاق نيسان"، إلا أن هامش المناورة المتاح أمام "قسد" "تقلص نسبياً"، خاصة بعد تحول الضغط من المستوى السياسي إلى العسكري.
على الصعيد الدولي، عكست المواقف الصادرة عن واشنطن وبروكسل حساسية التطورات في حلب. فقد رحب المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، بوقف إطلاق النار المؤقت وأعرب عن رغبته في تمديده، مما يشير إلى حرص واشنطن على تجنب تصعيد واسع في حلب، حيث تتداخل مصالح إقليمية ودولية معقدة. في المقابل، ركز الاتحاد الأوروبي على الجانب الإنساني، معرباً عن قلقه من سقوط ضحايا مدنيين، وهو موقف يتوافق مع نهجه التقليدي الذي يضع الاستقرار الإنساني في مقدمة أولوياته. ورغم تباين اللهجات، تتفق هذه المواقف على نقطة جوهرية واحدة: رفض الانزلاق نحو تصعيد شامل قد يفرض معادلات جديدة يصعب التحكم بها.
في الختام، تتعدد الجهات المستفيدة من تطورات الشيخ مقصود والأشرفية. فقد عززت الدولة السورية موقعها الأمني والسياسي، وأثبتت قدرتها على إدارة التصعيد ضمن حدود محسوبة. وقد يكون المدنيون هم المستفيد الأكبر إذا ما تحولت التهدئة إلى استقرار دائم وعودة سريعة للحياة الطبيعية. أما على المستوى الوطني الأوسع، فإن المستفيد الحقيقي هو مسار الاستقرار الذي يحد من مشاريع الكانتونات ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الجامعة. وهكذا، يتجاوز ما حدث في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية كونه مجرد حدث محلي، ليصبح مؤشراً على مرحلة جديدة في سوريا، تتميز بإعادة ضبط موازين القوة، وتقديم السياسة المدعومة بالوقائع الميدانية على رهانات التصعيد المفتوح.
سياسة
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي