الفدرلة في سوريا: حل لأزمة المركزية أم وصفة لتعميق الانقسام؟


هذا الخبر بعنوان "هل يمكن “فدرلة” سوريا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يطرح غزوان قرنفل مجددًا سؤال "الفدرلة" في سوريا، معتبرًا إياه أحد الحلول المقترحة للخروج من تركة الاستبداد والحرب والاستقطابات العرقية والطائفية، ولمعالجة اختلالات الدولة المركزية التي حكمت البلاد لعقود طويلة. لكن هذا السؤال، رغم بساطته الظاهرية، يخفي تعقيدات تاريخية واجتماعية وسياسية عميقة تجعل من الحديث عن دولة فيدرالية في سوريا الآن خيارًا إشكاليًا، لا يقل خطورة عن الإبقاء على المركزية الصلبة التي أثبتت فشلها ولم تعد مقبولة لدى قطاع كبير من السوريين.
لا خلاف على أن نموذج الحكم المركزي الشديد لم يعد ملائمًا لسوريا الجديدة، فقد أفضت المركزية إلى تهميش الأطراف وحرمان المحافظات من إدارة شؤونها وفرص التنمية والاستفادة من الثروة الوطنية. كما تحولت السلطة في العاصمة إلى جهاز ضخم محتكر للقرار والثروة، تُدار فيه البلاد بعقلية أمنية فوقية لا تعترف بالتنوع أو المشاركة. وكان هذا النموذج أحد الأسباب البنيوية لانفجار الصراع، إذ راكم المظالم وعمّق الفجوات بين المركز والمجتمع.
لكن الإقرار بفشل المركزية لا يعني تلقائيًا أن "الفدرلة" هي البديل الصائب، على الأقل في الوقت الراهن والمستقبل القريب، وفي ظل الانقسام الأفقي والعمودي للمجتمع السوري. فـ"الفدرلة" ليست مجرد صيغة إدارية محايدة، بل هي انعكاس لطبيعة المجتمع ومستوى تماسكه وقدرته على إدارة تنوعه ضمن عقد وطني جامع. وفي الحالة السورية الكارثية التي وصلنا إليها، لا يمكن تجاهل ما أصاب البنية المجتمعية من تصدّع عميق خلال سنوات الحرب وما بعد سقوط النظام السابق، من انقسامات طائفية وقومية، وتهجير واسع النطاق، وخطاب كراهية، وغياب للعدالة، وذاكرة جمعية مثقلة بالعنف والشك المتبادل.
في هذا السياق، تبدو "الفدرلة" محفوفة بالمخاطر، لأن تطبيقها الواقعي لن يكون، على الأرجح، "فدرلة" بين كيانات جغرافية، بل "فدرلة" بين كيانات قائمة على أسس قومية أو دينية أو مذهبية. ومع غياب دولة وطنية جامعة، ومؤسسات ضامنة، وثقافة سياسية ديمقراطية راسخة، ستتحول الفيدرالية إلى خطوة أولى نحو التقسيم، وليس إلى إطار لإدارة التنوع. وبدلًا من أن تكون وسيلة لتوحيد البلاد ضمن تنوعها، ستغدو أداة لتكريس حدود نفسية وجغرافية بين السوريين، ووسيلة مثلى لتغذية مشاريع الانفصال أو الارتهان للخارج. يؤكد الكاتب أن "الفدرلة" في مجتمعات خارجة من نزاعات أهلية دون مصالحة وطنية حقيقية، غالبًا ما تؤدي إلى تشظي الدولة لا إلى استقرارها، وفي الحالة السورية حيث الجروح مفتوحة والثقة منعدمة، فإن القفز نحو "الفدرلة" يبدو وصفة لتعميق الانقسام.
في المقابل، يبرز خيار ثالث أكثر واقعية وأقل خطورة، يتمثل في الإبقاء على التقسيمات الإدارية الحالية للمحافظات، مع إجراء تحول جذري في طبيعة الحكم المحلي. فبدلًا من المركزية الخانقة، يمكن اعتماد نظام حكم محلي موسّع وشامل، يكفل منح المحافظات صلاحيات واسعة جدًا في إدارة شؤونها الاقتصادية والإدارية والخدمية والتنموية. يقوم هذا النموذج على انتخاب المحافظين ومجالس المحافظات والمدن والبلدات انتخابًا مباشرًا من أبناء كل محافظة، وبذلك تنتقل السلطة من التعيين الفوقي إلى التفويض الشعبي، ويتحول المسؤول المحلي من ممثل للسلطة المركزية إلى ممثل لإرادة المجتمع المحلي.
تتولى هذه المجالس إدارة مشاريعها، ووضع أولوياتها التنموية، والإشراف على إنفاق حصتها من الموارد الوطنية ضمن آليات شفافية ومساءلة واضحة، باعتبار أن كل محافظة يفترض أن تحصل على حصة عادلة من الثروة الوطنية، وفق معايير سكانية وتنموية، لا وفق الولاء السياسي أو القرب من المركز. فالتنمية المتوازنة ليست مجرد مسألة اقتصادية بل هي شرط أساسي لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ولمنع عودة الإحساس بالتهميش والظلم. كل ذلك ضمن إطار دولة موحدة لا تملك فيها السلطة المركزية إلا إدارة الشأن السياسي والعلاقات الدولية وقراري الحرب والسلم، وبناء العلاقات الدبلوماسية وتمثيل الدولة في المعاهدات الدولية وإدارة الموارد والثروة الوطنية بعدل وشفافية.
إلى جانب ذلك، لا يمكن لأي نموذج إداري مهما كان متقدمًا أن ينجح دون إطلاق مسار حوار وطني شامل، يهدف إلى ترميم تهتك البنية المجتمعية، حوار يعترف بالآلام، ويؤسس لذاكرة وطنية مشتركة، ويضع أسس تعايش قائم على المواطنة المتساوية. كما يتطلب الأمر تجريم خطاب الكراهية والتمييز قانونيًا وثقافيًا، وبناء منظومة تعليمية وإعلامية تعزز قيم العيش المشترك لا الانغلاق والتحزب الأعمى للهويات القاتلة.
خلاصة القول، إن سوريا اليوم تقف بين خيارين ناقصين: مركزية أثبتت فشلها، و"فدرلة" محفوفة بمخاطر التقسيم. وبينهما يبرز خيار الحكم المحلي الواسع ضمن دولة موحدة، بوصفه حلًا عقلانيًا يخفف من قبضة المركز، ويحافظ في الوقت ذاته على وحدة البلاد ويرمم البنية المجتمعية، ويعيد بناء العقد الوطني على أسس صلبة. ففي سوريا المنهكة لا يكفي تغيير شكل الدولة، بل الأهم هو إعادة بناء معناها وصياغة وظيفتها. ويتساءل الكاتب غزوان قرنفل عما إذا كانت السلطة الحالية تستطيع الاستجابة لموجبات الحفاظ على وحدة البلاد والشراكة الوطنية، مؤكدًا أنها تستطيع ذلك فقط إذا تخلت عن "الهراء الفقهي" وعملت بإخلاص على تأسيس البنية التحتية لدولة القانون والمواطنة، فهذا هو طوق النجاة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة