الجزيرة السورية تستعيد الحياة: أمطار وثلوج غزيرة تنعش الزراعة البعلية وتنهي سنوات الجفاف


هذا الخبر بعنوان "الأمطار تحيي آمال مزارعي “البعل” في “الجزيرة” السورية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ريف القامشلي، يتجول المزارع عبد الرزاق الحسين بخطوات واثقة في أرضه، متفحصًا النبتات الخضراء الصغيرة التي بدأت تشق طريقها فوق التربة. هذه النبتات، التي نمت بفضل الأمطار، تحمل في طياتها نهاية حقبة من اليأس دامت لعامين متتاليين في الجزيرة السورية، وهي بالنسبة له إعلان عن تجدد الأمل بعد سنوات عجاف.
مع مطلع العام الحالي، وبعد هطولات مطرية وثلجية غزيرة بدأت في نهاية عام 2025 واستمرت بزخم، استعادت الجزيرة السورية، المعروفة تاريخيًا بـ"سلة غذاء سوريا"، حيويتها. هذه الأمطار لم تقتصر على ري الأرض فحسب، بل أعادت تشكيل التوقعات الاقتصادية والاجتماعية لآلاف العائلات التي تعتمد على الزراعة البعلية كمصدر رزق أساسي ووحيد.
لسنوات عديدة، عاش مزارعو "البعل"، الذين تعتمد أراضيهم كليًا على مياه الأمطار، تحت رحمة التقلبات المناخية. ففي عام 2025، واجه المزارعون ما يُعرف بـ"الموسم الصفري"، حيث تسببت ندرة الأمطار في تلف البذور داخل التربة قبل أن تنبت، أو جفاف المحصول في مراحله الأولى، مما كبدهم خسائر بمليارات الليرات السورية.
يقول عبد الرزاق (52 عامًا) لعنب بلدي: "في العام الماضي، رمينا البذار وانتظرنا رحمة السماء، لكنها بخلت علينا، فكانت النتيجة أرضًا قاحلة وديونًا تراكمت لدى تجار الأسمدة والبذار. هذا العام، بفضل الأمطار التي هطلت في وقتها المثالي مطلع كانون الثاني، ضمنّا الإنبات. هذه الأمطار أنقذت البذرة من التلف تحت التراب، وهذا يعني أننا تجاوزنا مرحلة الخطر الأكبر".
توزعت كميات الأمطار بشكل يبشر بموسم وفير، حيث سجلت مدينة المالكية 22 ملمترًا، وتل حميس 18 ملمترًا، بينما تجاوزت 11 ملمترًا في الحسكة، ووصلت في تل كوجر إلى 25 ملمترًا. هذه الكميات، التي فاقت المعدل السنوي العام لهذا الوقت من السنة، أعادت الثقة للمزارع الذي كان يتردد في دفع ليرة واحدة إضافية على أرضه.
تُقسم الأراضي الزراعية في الجزيرة السورية إلى مناطق استقرار تختلف بحسب معدلات الأمطار السنوية، وقد انعكست الهطولات الأخيرة إيجابًا على جميع هذه المناطق:
لا تقتصر أهمية الهطولات الأخيرة على كمية المياه فقط، بل في نوعيتها أيضًا، فقد شهدت المنطقة هطولات ثلجية هي الأولى من نوعها منذ سنوات. المهندس الزراعي أحمد إبراهيم، أوضح في حديث إلى عنب بلدي، أن للثلوج تأثيرًا يفوق الأمطار الغزيرة في بعض الجوانب التقنية. وأضاف أن ذوبان الثلوج يتم ببطء، مما يسمح للتربة بامتصاص المياه بشكل تدريجي وتغذية الطبقات السفلية والآبار الجوفية، بعكس الأمطار الغزيرة التي قد تسبب انجرافًا للتربة وضياعًا للمياه كجريان سطحي.
وبحسب المهندس الزراعي، فإن الثلوج تحمل ما وصفها بـ"هدايا كيماوية وطبيعية" للأرض، فهي تحتوي على كميات ضئيلة من النيتروجين والمعادن التي تزيد خصوبة التربة عند الذوبان. كما أن موجة الصقيع والبرودة المرافقة لها لعبت دورًا محوريًا في "مكافحة الآفات الزراعية". وأشار إبراهيم إلى أن البرودة الشديدة تقلل من تكاثر الحشرات التي تهاجم الجذور، وتحد من انتشار الأمراض الفطرية التي تفتك بالمحصول في سنوات الدفء والجفاف، كما أنها تساعد الأشجار المثمرة على الخروج من "دورة السكون" بشكل صحي، مما يعد بموسم ثمار جيد أيضًا.
لم تكن الفرحة محصورة في بيوت المزارعين، بل امتدت إلى مربي المواشي. ففي سنوات الجفاف، تحول مربو الأغنام والأبقار إلى "رهائن" لأسعار الأعلاف المستوردة والمرتفعة (النخالة، الشعير، التبن)، ما دفع الكثير منهم لبيع قطعانهم بأسعار زهيدة لعدم القدرة على إطعامها.
"أبو جاسم"، أحد مربي المواشي في ريف الحسكة الجنوبي، وصف لعنب بلدي التغيير الذي أحدثته الأمطار بقوله: "خلال السنتين الماضيتين، كنا نشتري كيلو العلف بمبالغ تفوق قدرتنا. اليوم، بفضل الأمطار، بدأت المراعي الطبيعية في البادية وفي أطراف الحقول بالنمو. ظهور الأعشاب البرية الغنية بالبروتين يعني أننا سنقلل الاعتماد على الأعلاف المشتراة بنسبة 60% على الأقل". وأضاف أن توفر مياه الشرب الطبيعية وصحة المراعي سينعكسان حتمًا على جودة الحليب واللحوم، ويقللان من انتشار الأمراض والطفيليات التي كانت تنشط في سنوات المحل، مثل مرض "الحمى القلاعية" الذي تسبب سابقًا بنفوق آلاف الرؤوس.
الحالة النفسية للمزارع هي المحرك الأساسي للاقتصاد في الجزيرة. قبل هذه الأمطار، كان يسود "جمود اقتصادي"، فالفلاح لا يشتري، والتاجر لا يبيع، والكل ينتظر الأمطار. وبمجرد استقرار الهطولات، شهدت الأسواق المحلية في الحسكة والقامشلي حركة نشطة. بدأ المزارعون بشراء الأسمدة الآزوتية لتعزيز نمو محاصيلهم، بعد أن كانوا مترددين في صرف أي قرش إضافي. هذه الثقة حولت الأرض من "عبء" إلى "استثمار واعد".
على مستوى كلي، يبعث موسم 2026 بآمال كبيرة لتحقيق استقرار في الأمن الغذائي السوري، فزيادة إنتاج القمح في الجزيرة تعني تقليل الاعتماد على القمح المستورد، وتوفر مادة الخبز بأسعار وتكاليف أقل، بالإضافة إلى توفر البذار للمواسم المقبلة دون الحاجة لتدخلات دولية أو استيراد بذور قد لا تتلاءم مع بيئة المنطقة. إلى جانب القمح والشعير، انتعشت حياة الأهالي بظهور النباتات البرية مثل "الخبيزة" و"الكمأة"، التي يتوقع ظهورها بقوة هذا العام نتيجة الرعد والأمطار الباكرة. هذه النباتات تشكل مصدرًا غذائيًا وموردًا ماليًا إضافيًا للعائلات الفقيرة التي تقوم بجمعها وبيعها في الأسواق المحلية.
رغم المشهد الإيجابي، لا يخلو الطريق من عقبات، وينبه المهندس أحمد إبراهيم إلى ضرورة تأمين المحروقات (المازوت) للمزارعين بأسعار مدعومة لمواجهة أي انقطاع مفاجئ في الأمطار في شهري آذار ونيسان (مرحلة السنبلة)، لضمان "ريات تكميلية" إذا لزم الأمر. كما أن توفر الأسمدة ومكافحة القوارض التي قد تنشط مع زيادة الغطاء النباتي، يظلان من التحديات التي تتطلب تنسيقًا بين الجهات المعنية والمنظمات الزراعية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي