تصوير الأطفال في المدارس السورية: جدل حول انتهاك الخصوصية وغياب الضوابط القانونية


هذا الخبر بعنوان "بعدسة معلمين.. مقاطع تنتهك خصوصية الأطفال بالمدارس" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عنب بلدي – كريستينا الشماس
في ظل التوسع المتزايد لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا خلال السنوات الأخيرة، تحولت الكاميرا من مجرد أداة للتوثيق الشخصي إلى عنصر أساسي حاضر داخل الفصول الدراسية. فقد أصبحت مشاهد الأطفال وهم يشاركون في الحصص، أو يجيبون عن الأسئلة، أو يتفاعلون مع معلميهم، تُنشر بشكل روتيني على صفحات المعلمين والمدارس ورياض الأطفال، غالبًا تحت شعارات مثل "التعليم التفاعلي" و"الأساليب الحديثة".
لكن وراء هذا المشهد الذي قد يبدو "بريئًا" للوهلة الأولى في نظر بعض المتابعين، تكمن إشكالية أعمق وأكثر تعقيدًا تتعلق بخصوصية الطفل السوري. هذه الخصوصية تبدو اليوم مهددة ومنتهكة داخل المدرسة، التي يُفترض أنها من أكثر البيئات أمانًا للأطفال. وقد تباينت الآراء حول هذه الظاهرة؛ فبينما يرى البعض في هذا المحتوى مواكبة لـ"الترند" الرقمي ودليلًا على كفاءة المعلم، يعتبره آخرون انتهاكًا صريحًا لحقوق الطفل. يزداد الأمر تعقيدًا كون معظم المواد المصورة والمنتشرة تستهدف أطفالًا تتراوح أعمارهم بين 4 و12 عامًا، وغالبًا ما يتم ذلك دون الحصول على موافقة مستنيرة وواضحة من ذويهم، أو في غياب أطر قانونية تنظم هذه الممارسة.
وفقًا لما رصدته "عنب بلدي"، يرى عدد من المعلمين أن تصوير الحصص الدراسية ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي قد أصبح جزءًا لا يتجزأ من "الواقع الجديد" للتعليم. فبعضهم يعتبر أن عرض أساليبهم في الشرح أو طرق تفاعلهم مع الطلاب يعكس تطورهم المهني وقدرتهم على مواكبة الأساليب التعليمية الحديثة التي تركز على المشاركة بدلًا من التلقين. في المقابل، يعتقد آخرون أن هذا المحتوى قد يخدم كأداة لجذب الأهالي أو لتقديم صورة إيجابية عن المدرسة، خصوصًا في ظل المنافسة المتزايدة بين المؤسسات التعليمية، بما في ذلك الحكومية.
غير أن هذا "الحضور الرقمي" داخل الصفوف الدراسية لا يخلو من إشكاليات جوهرية. فالطفل الذي يتم تصويره غالبًا ما يكون غير مدرك تمامًا لتبعات نشر صورته أو صوته على الملأ، ولا يمتلك القدرة على الرفض أو القبول الواعي. ففي العديد من الحالات، يظهر الأطفال بأسمائهم وملامحهم الكاملة، وهم يرتكبون الأخطاء أو يتلعثمون أو يعبرون عن انفعالاتهم الطبيعية، مما يحول لحظاتهم التعليمية الخاصة إلى مادة استهلاكية متاحة للتعليقات والمشاركات. وتتعقد هذه الإشكالية أكثر عندما يصبح التصوير جزءًا من الروتين اليومي، الأمر الذي قد يؤثر على سلوك الطفل داخل الصف، فيدفعه إلى محاولة إرضاء الكاميرا بدلًا من التركيز على عملية التعلم، أو قد يسبب له القلق والضغط النفسي جراء الظهور المستمر، دون أن يكون له أي رأي في ذلك.
لم تكن مواقف الأهالي الذين تحدثوا إلى "عنب بلدي" حول هذه الظاهرة موحدة. فبعضهم يرى في نشر مقاطع لأطفالهم داخل الصف وسيلة للاطمئنان على سير العملية التعليمية، خاصة في ظل غياب قنوات تواصل رسمية فعالة بين المدرسة والمنزل. وفي هذا السياق، ترى لانا البسيط، وهي أم لطفل يبلغ من العمر ست سنوات، أن مشاهدة طفلها وهو يشارك في الدرس يمنحها شعورًا بأن المدرسة تركز على التفاعل لا الحفظ، معتبرة أن الأمر مقبول طالما أنه لا يتضمن أي إساءة أو استهزاء.
على النقيض من ذلك، يعرب أهالٍ آخرون عن قلقهم المتزايد إزاء هذا الانتشار غير المنضبط لصور أطفالهم. سامي اللابد، وهو أب لطفل في الصف الرابع، فوجئ بمقطع مصور لطفله نشرته معلمة عبر صفحتها على "فيسبوك"، دون الحصول على موافقته أو موافقة زوجته. يرى سامي أن الإشكالية لا تكمن في التصوير بحد ذاته، بل في الغياب التام لأي طلب موافقة مسبقة أو توضيح لآلية استخدام المحتوى المصور.
وأوضح سامي أن صورة واحدة قد تُقتطع من سياقها الأصلي، أو يُساء استخدامها، أو تبقى متداولة لسنوات طويلة، بينما ينمو الطفل دون أن تكون له أي سيطرة على أثرها الرقمي المستمر. ويرى سامي أيضًا أن العديد من الأهالي يقفون في منطقة رمادية، فهم إما غير مدركين تمامًا لحقوقهم وحقوق أطفالهم، أو غير قادرين على الاعتراض خشية أن يؤثر ذلك سلبًا على معاملة أبنائهم داخل المدرسة. هذا الصمت القسري، بحسب سامي، يسهم في تطبيع هذه الممارسة بدلًا من مساءلتها.
تحدث المختص التربوي فادي العبد الله لـ"عنب بلدي"، مؤكدًا أن المدرسة ليست مجرد مكان لتلقي المعرفة، بل هي بيئة آمنة نفسيًا واجتماعيًا. وأشار إلى أن أي انتهاك لخصوصية الطفل داخلها ينعكس سلبًا على نموه وتطوره. وشدد العبد الله على الحاجة الملحة لفتح نقاش أوسع حول خصوصية الطفل السوري في المدارس، ووضع ضوابط واضحة تحميه من التحول إلى مجرد محتوى عابر على الشاشات. فمهما تطورت وسائل التعليم، يظل جوهره فعلًا إنسانيًا يقوم على احترام الطفل كفرد مستقل، وليس كصورة قابلة للمشاركة.
ويرى العبد الله أن تصوير الأطفال ونشر المحتوى دون الحصول على موافقة مستنيرة من ذويهم يتعارض تمامًا مع المبادئ الأساسية للتربية، حتى وإن كانت النوايا "إيجابية". وأوضح أن الموافقة المستنيرة تتجاوز مجرد إبلاغ الأهل، لتشمل شرحًا وافيًا لطبيعة المحتوى، وهدفه، والمنصة التي سيُنشر عليها، مع إتاحة الحق في الرفض دون أي تبعات سلبية. كما أشار العبد الله إلى وجود بدائل عديدة لإبراز جهود المعلمين، مثل تصوير السبورة، أو استخدام تمثيل رمزي، أو إنتاج محتوى تعليمي لا يظهر وجوه الأطفال.
وحذر المختص التربوي فادي العبد الله من أن غياب التشريعات الواضحة في هذا المجال لا يبرر الاستمرار في هذه الممارسات، بل يلقي بمسؤولية أخلاقية مضاعفة على عاتق المؤسسات التعليمية. فوفقًا لـالعبد الله، الأطفال هم الفئة الأكثر ضعفًا، ويجب أن تكون حمايتهم الرقمية أولوية قصوى، وليست تفصيلًا ثانويًا في سباق "الترند". وقد تواصلت "عنب بلدي" مع وزارة التربية السورية للحصول على توضيحات بشأن موقفها من قيام بعض الكوادر التعليمية بإنشاء محتوى رقمي ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي، وما يمثله ذلك من تهديد لخصوصية الطفل، وما إذا كانت قد اتخذت أي إجراءات لمنع أو ضبط عملية التصوير داخل الصفوف. إلا أن "عنب بلدي" لم تتلقَ أي رد حتى لحظة تحرير هذا التقرير.
سوريا محلي
سوريا محلي
صحة
سوريا محلي