لبنان: سياحة الوهم تستهدف المغتربين.. قطاع المطاعم والمقاهي يعيد إنتاج نموذج الإفلاس


هذا الخبر بعنوان "القطاع السياحي اللبناني: بهلوانيات لاجتذاب المغتربين" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد لبنان، منذ إعلان الإفلاس، نموًا لنموذج اقتصادي جديد، كما يلاحظ لور شدراوي، يعتمد على السياحة دون وجود سياح بالمعنى التقليدي، ويرتكز بشكل خاص على قطاع المأكولات والمشروبات في بيروت وأجزاء منها. ففي بلد يصر على عدم الإنتاج، اتجهت الجهود نحو استقطاب الدولارات عبر جذب أبناء البلد أنفسهم، لا سيما المغتربين حديثًا، في محاولة لإعادة إنتاج النموذج الاقتصادي الذي سبق الإفلاس وأدى إليه. هذه العملية ليست بالبسيطة، بل تتطلب قدرًا كبيرًا من الإبداع والحيل التسويقية، بالإضافة إلى عمليات تجميل و«مايك أوفر» دورية، لأن السائح المستهدف هو ابن البلد الذي يعرفه عن ظهر قلب. هنا تتجلى البراعة اللبنانية في صناعة الوهم وإعادة تدويره عبر أشكال متعددة من الحيل، أشبه بـ«بونزي» متجدد، هذه المرة في هيئة سياحة ومطاعم و«عجقة ناس».
على عكس السائح الأجنبي الذي يبحث عن كل ما هو قديم وتاريخي وأصيل، ويزور القلاع والآثار والأحياء القديمة، ويفضل المطاعم المحلية الأصيلة، فإن المغترب (خاصة حديث الاغتراب الذي لا يزال زائرًا موسميًا) هو ابن البلد الذي يعرف هذه الأماكن جيدًا. فكيف يمكن استقطاب دولاراته، التي أصبحت المورد الجديد لاقتصاد الوهم؟ الحل يكمن في جعل البلد يبدو جديدًا ومختلفًا في كل زيارة. فخلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة الفاصلة بين المواسم السياحية، يتم تغيير ديكور الأماكن، في عملية «remake» موسمية أشبه بإضافة الفيلير والبوتوكس، لكي لا يشعر المغترب بالملل أبدًا. يعود ليجد أماكن سهر جديدة، ومقاهي لم يسمع بها، ومطاعم لم يزرها من قبل، وقد تكفل الإنستغرام بتسويقها له قبل الأعياد، مما يجعل الحجوزات فيها مستحيلة لشدة الإقبال.
لقد أتقنت بعض المطاعم هذه اللعبة، وصارت تتفنن في استقطاب المغتربين. فترى مطعمًا يقدم قالب جبنة البارميزان (بوزن 30 كيلو) يجره عاملان على عربة، ثم يسكب أحدهما قنينة رام في وسطه ويشعل فيه النار، ليذوب بعضه ويوضع في صحن الزبون، قبل أن تتجه العربة إلى طاولة أخرى. ومطعم آخر أتى بعظمة نخاع (bone marrow) وحاول إذابتها أمام الزبائن بشعلة من قداحة، في مشهد استغرق أكثر من دقيقتين من الانتظار البطيء، وكلها ضرورات الإنستغرام، الأداة المركزية في صناعة الوهم. إن «سياحة المغترب» هي إصرار على عدم إنتاج أي شيء، حيث يتفنن اللبنانيون في صناعة الوهم، ويجيدون القيام بعملية بصرية بحتة تعيد إنتاج النموذج القديم بأساليب جديدة.
تلقى قطاع المأكولات والمشروبات ضربة قاسية بعد الأزمة الاقتصادية وانفجار مرفأ بيروت، مما أدى إلى إغلاق مئات المحال. لكن بحسب نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي، شهد لبنان فتح 500 مطعم جديد بين عامي 2022 و2023. كما أشارت دراسة لشركة «هوديما» للخدمات الاستشارية، نشرت عام 2024، إلى أن الأحياء المكتظة بالمطاعم والحانات والبارات في بيروت شهدت ارتفاعًا ملحوظًا منذ الانهيار وصل إلى 34.5% في وسط بيروت، ولامست مستويات ما قبل الأزمة في بعض الأحياء. ورغم غياب التحديث لهذه الدراسات، يمكن ملاحظة أن المطاعم والحانات كانت تنمو كالفطر في العام الماضي أيضًا، حتى يُخيل إليك أنك في بلد يشهد نموًا وازدهارًا اقتصاديًا، وليس في بلد يواجه الإفلاس (أو يرفض مواجهته). لكن في الواقع، الأمر لا يعدو كونه خدعة بصرية.
يشعر المغترب بتغير «التراند» في مراكز اللهو والسهر، بسبب انتعاش أحياء جديدة في كل مرة، من بدارو إلى الجميزة، ثم مار مخايل، وبعدها انتعشت الصيفي والداون تاون والواجهة البحرية. ويُقال إنهم يتحضرون لإعادة إحياء شارع أوروغواي. وهكذا يأتي المغترب في العيد القادم ليجد البلد في حلة جديدة وعليه مواكبتها. إنها عملية بصرية بحتة تعيد إنتاج النموذج القديم بأساليب جديدة وتبقي الوهم قائمًا. قبل الأزمة الاقتصادية، بينما كانت الودائع تتدفق إلى لبنان، والبلد يحتفي بأن الليرة بألف خير، ويتلقى رياض سلامة الجوائز العالمية، كانت الأمهات والآباء يفاخرون بعدد أبنائهم الذين «توفّقوا» بوظائف في الخارج برواتب عالية. جيل يفخر بتصدير شبابه ويتساءل عن سبب تراجع اقتصاده وانهياره. تمجيد الاغتراب محفور في الثقافة اللبنانية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وكانت عودة مغترب من أميركا اللاتينية مناسبة تستمر أيامًا. اليوم تستقبل المغترب لافتات ضخمة عند مدخل مطار بيروت باسم من بقي من أبناء البلد تقول له «أهلاً بهالطلة»، وتودعه «ما بينشبع منكن ما تطولوا علينا»، مكتوبة بأحرف لا يفكها إلا اللبناني. ويقترح الكاتب للموسم القادم شعار: «هيك بتعلقونا فيكم وبتفلوا؟».
إن بدعة «سياحة المغترب» هي إصرار على ألا ننتج أي شيء. فعند انكشاف الإفلاس في عام 2019، ضجت المنابر الإعلامية والخطابية بزعماء الأحزاب وأزلامهم في توصيف أصل الأزمة، عندما اكتشفوا جميعهم يومها أهمية الاقتصاد المنتج. لم تدم هذه الصحوة طويلاً. فماذا حلَّ بمروّجي نظرية «قوة لبنان في ضعفه»؟ هؤلاء لا بدَّ يجدون الوطن اليوم في أقصى قوته إذن. في فيلم «ذا ترومان شو»، يكتشف جيم كاري في النهاية، ورغم كل المؤثرات البصرية والسمعية، بأنه ضحية عملية خداع معقدة، وبأن حياته كلها لم تكن سوى عملية خداع وكذب. ورغم قساوة الاكتشاف، ورغم أن الاستمرار في الإنكار قد يبدو أقل ضررًا من الاعتراف بالواقع، يختار الحقيقة على قساوتها بدل الوهم على ألفته. عندما نرفض ما يعرض علينا سنكتشف أن الحائط الفولاذي الماثل بيننا وبين الوطن الذي نحلم به لا يعدو أكثر من ديكور من كرتون.
سوريا محلي
منوعات
اقتصاد
اقتصاد