فجوة بين النص والواقع: المادة 18 من الإعلان الدستوري وانتهاكات الحرية الشخصية في السجون


هذا الخبر بعنوان "بين النص والواقع: المادة (18) من الإعلان الدستوري على محكّ التطبيق" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعدّ المادة (18) من الإعلان الدستوري، وتحديداً فقرتها الثانية، ركيزة أساسية من ركائز دولة القانون، حيث تنص بوضوح على أنه: "باستثناء حالة الجرم المشهود، لا يجوز إيقاف أي شخص أو الاحتفاظ به أو تقييد حريته إلا بقرار قضائي". يمثل هذا النص في جوهره ضمانة مقدسة للحرية الشخصية، ويؤكد على مبدأ خضوع السلطة التنفيذية لرقابة القضاء، ويعلي من شأن الشرعية الإجرائية عند التعامل مع حقوق الأفراد.
إلا أن الواقع العملي يكشف عن فجوة مقلقة بين هذه المبادئ الدستورية وتطبيقها الفعلي. فما يزال عدد كبير من الموقوفين، خاصة في سجن دمشق المركزي وبعض الأفرع الأمنية التي كانت تعمل في عهد النظام البائد، يعانون من حرمان حريتهم دون وجود أوامر قضائية صريحة، أو بناءً على احتجازات أمنية تفتقر إلى أي سند قانوني ساري المفعول.
يزداد الأمر خطورة بامتناع بعض إدارات السجون عن تنفيذ قرارات قضائية واجبة النفاذ. ففي حالات معينة، يرفض مدير سجن دمشق المركزي السماح بتوكيل محامٍ عن موقوفين، متذرعاً بكونهم "أمنيين"، وذلك على الرغم من صدور إذن صريح من المحامي العام الأول بدمشق يبيح هذا التوكيل.
إن هذا الرفض لا يُعدّ مجرد مخالفة إجرائية، بل هو انتهاك صريح لحق الدفاع الذي يكفله الدستور، ومساس بمبدأ سيادة القانون، وتعدٍ واضح على حجية القرارات القضائية وضرورة احترامها من قبل كافة السلطات والجهات الإدارية. فتصنيف أي موقوف على أنه "أمني" لا يبرر إيجاد استثناءات خارج إطار القانون، ولا يعلق سريان الضمانات الدستورية، ولا يسمح بتعطيل حق التقاضي أو عرقلة تنفيذ الأوامر القضائية.
إن جوهر المادة (18) لا يكمن في مجرد وجودها كنص قانوني، بل في تطبيقها الفعلي. وهذا يعني أنه لا يجوز التوقيف أو الاستمرار في الاحتجاز أو تقييد الحرية إلا بموجب أمر قضائي مسبب، مع ضرورة تمكين الموقوف فوراً من ممارسة حقه في الدفاع والاتصال بمحاميه، وتنفيذ القرارات القضائية دون أي تأخير أو انتقاص.
أي امتناع إداري عن تنفيذ إذن قضائي يشكل مخالفة تستوجب المساءلة التأديبية والجزائية، وذلك لأن الشرعية لا تتجزأ، ولا يمكن لسيادة القانون أن تتحقق بوجود استثناءات أمنية غير منصوص عليها. إن حماية الحرية الشخصية تبدأ باحترام سلطة القضاء، وتكتمل بمحاسبة كل من يعطل أحكامه أو يلتف عليها. فالدولة التي تسعى لتكريس مفهوم "دولة القانون" يجب أن تجعل من النص الدستوري قاعدة مطبقة على أرض الواقع، لا مجرد وعد مؤجل.
المحامي الدكتور محمد عبد الله العبد الله - زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة