غرينلاند: بين مطامع ترامب وتصاعد التنافس الجيوسياسي في القطب الشمالي


هذا الخبر بعنوان "هل التهديد الصيني لغرينلاند حقيقي أم مجرد ادعاء من ترامب؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في إطار شراكة بين عنب بلدي وDW، يزور وزير خارجية الدنمارك البيت الأبيض اليوم الأربعاء (14 يناير/ كانون الثاني 2025) لإجراء محادثات حاسمة تهدف إلى تهدئة التوتر بشأن غرينلاند. يأتي هذا في ظل تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاستيلاء على الإقليم من حليفه القديم.
قبل ساعات من الاجتماع المقرر، أعلن وزير الدفاع الدنماركي ترولس لوند بولسن أن بلاده ستُعزّز وجودها العسكري في غرينلاند، وستواصل الحوار مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي (ناتو). جاء هذا التصريح بعد انتقادات وجهتها الولايات المتحدة للدنمارك، متهمة إياها بإهمال الدفاع عن الإقليم القطبي الشمالي الذي يتمتع بحكم ذاتي.
وفي بيان لوكالة فرانس برس، كتب بولسن: "سنواصل تعزيز وجودنا العسكري في غرينلاند، لكننا سنركز أيضاً بشكل أكبر داخل حلف شمال الأطلسي على مزيد من المناورات وزيادة حضور الحلف في القطب الشمالي".
منذ بدء ولايته الثانية في البيت الأبيض قبل عام تقريباً، يلمّح ترامب إلى رغبته في الاستحواذ على الجزيرة الشاسعة ذات الأهمية الاستراتيجية وقليلة السكان. وقد باتت تصريحاته في هذا الشأن أكثر جرأة منذ أن أمر في الثالث من كانون الثاني/يناير بشن هجوم في فنزويلا أدى إلى إزاحة رئيسها وأسفر عن سقوط قتلى.
يبرر ترامب حاجته لغرينلاند خشية أن تسيطر عليها روسيا أو الصين. ومن شأن ضم غرينلاند، التي يبلغ عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة، أن يضع الولايات المتحدة في المرتبة الثانية عالمياً من حيث المساحة بعد روسيا، متجاوزة الصين وكندا.
على الرغم من ادعاء ترامب بأنه لولا التدخل الأمريكي، لكانت غرينلاند مليئة "بالمدمرات والغواصات الصينية"، إلا أن الوجود العسكري الصيني في القطب الشمالي متواضع. يؤكد بال سيغورد هيلد، من المعهد النرويجي للدراسات الدفاعية، أن "غرينلاند لا تعج بالسفن الصينية والروسية".
في مناطق أخرى من القطب الشمالي، نما الوجود العسكري الصيني المتواضع بالتعاون مع روسيا منذ غزو أوكرانيا عام 2022. وأضاف هيلد أن "السبيل الوحيد أمام الصين لاكتساب نفوذ كبير في القطب الشمالي يمر عبر روسيا".
كثّف البلدان عملياتهما المشتركة في القطب الشمالي وعمليات خفر السواحل، بما في ذلك دورية قاذفات قرب ألاسكا عام 2024. كما تُشغّل الصين عدداً من كاسحات الجليد المُجهزة بغواصات صغيرة للأعماق، قادرة على رسم خرائط قاع البحر (ما قد يكون مفيداً للانتشار العسكري)، وأقمار اصطناعية لرصد القطب الشمالي. وتؤكد بكين أن هذه الغواصات مُخصصة للبحث العلمي.
قالت هيلينا ليغاردا، من معهد ميركاتور للدراسات الصينية في برلين، إن هذه الأنشطة "تُثير مخاوف أمنية محتملة في حال رسّخ الجيش الصيني أو جهات مرتبطة به عسكرياً وجودها في المنطقة على نحو منتظم". وأضافت أن "لدى الصين طموحات واضحة لتوسيع نطاق نفوذها في المنطقة، التي تعتبرها ساحة ناشئة للتنافس الجيوسياسي".
أطلقت بكين مشروع طريق الحرير القطبي عام 2018، وهو الفرع القطبي لمبادرة البنية التحتية العابرة للحدود "الحزام والطريق"، وتهدف لأن تصبح "قوة عظمى قطبية" بحلول العام 2030. وقد أنشأت محطات بحثية علمية في أيسلندا والنرويج، بينما استثمرت شركات صينية في مشاريع مثل الغاز الطبيعي المسال الروسي وخط سويدي للسكك الحديد. وحذرت ليغاردا من أن المنافسة مع الصين على الموارد والوصول إلى طرق التجارة في القطب الشمالي قد تهدد المصالح الأوروبية.
واجهت الصين مؤخراً معارضة، إذ فشلت مقترحاتها بشراء قاعدة بحرية مهجورة في غرينلاند ومطار في فنلندا. وورد أن الولايات المتحدة مارست ضغوطاً على دول لرفض الشركات الصينية. وفي عام 2019، رفضت غرينلاند إشراك شركة هواوي الصينية في شبكاتها للجيل الخامس. وتبقى روسيا الاستثناء، حيث تستثمر الصين بكثافة في الموارد والموانئ على طول الساحل الشمالي لروسيا.
تمتلك غرينلاند ثامن أكبر احتياطي في العالم من المعادن النادرة، وهي عناصر حيوية لتقنيات تشمل السيارات الكهربائية والمعدات العسكرية، بحسب هيئة المسح الجيولوجي الأميركية. وبينما تهيمن الصين على الإنتاج العالمي لهذه المواد الحيوية، لم تحقق محاولاتها لاستغلال موارد غرينلاند نجاحاً يذكر. وأوقفت حكومة غرينلاند في عام 2021 مشروعاً مرتبطاً بالصين في منجم ضخم في كفانيفيلد بسبب مخاوف بيئية، بينما بيع منجم آخر في جنوب غرينلاند لشركة مقرها في نيويورك في عام 2024 بعد ضغوط أميركية.
وقال جيسبر ويلينغ زويثن، الأستاذ المشارك في جامعة آلبورغ: "كان هناك تخوف في الدنمارك والولايات المتحدة من أن تؤدي استثمارات التعدين التي تفوق الناتج المحلي الإجمالي لغرينلاند بأضعاف إلى نفوذ صيني قبل عقد من الزمن، لكن هذه الاستثمارات لم تنفذ قط". وأضاف أنه في الآونة الأخيرة، "باتت بكين تحجم عن الانخراط في هذا المجال، لأن الكلفة الدبلوماسية باهظة جداً".
يهدف طريق الحرير القطبي إلى ربط الصين بأوروبا عبر طرق القطب الشمالي التي تزداد سهولة عبورها مع ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد البحري. واتفقت الصين وروسيا في تشرين الأول/أكتوبر على تطوير طريق بحر الشمال على طول الحدود الشمالية لروسيا. في العام الماضي، وصلت سفينة صينية إلى بريطانيا في غضون 20 يوماً عبر القطب الشمالي، أي نصف المدة التي تستغرقها عادة عبر قناة السويس. قد يُحدث هذا الممر تحولاً جذرياً في الشحن العالمي ويقلل اعتماد الصين على مضيق ملقا في تجارتها. لكن تحتاج السفن إلى تعديلات لعبور الجليد، ويصعّب الضباب الملاحة، عدا عن قسوة الطقس. قامت السفن الصينية بـ 14 رحلة فقط عبر طريق بحر الشمال العام الماضي، وكانت تحمل في معظمها غازاً روسياً.
ثمة مسار محتمل آخر وهو الممر الشمالي الغربي ويمر عبر الأرخبيل الكندي، ويخفف من مخاطر سيطرة روسيا والصين على الممر الشمالي. ولا يمر طريق بحر الشمال بغرينلاند، لذا فهو لا يمكن أن يدعم ادعاء ترامب بوجود سفن صينية تجوب سواحل الجزيرة. ويؤكد زويثن أنه لا توجد مؤشرات على أي نشاط عسكري صيني في المنطقة القطبية من غرينلاند أو في محيطها. ويضيف أن "تحديد ما يمكن اعتباره تهديداً أمنياً حقيقياً مسألة شديدة الصعوبة".
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة