الجدار الرابع: الفن يواجه أهوال الحرب الطائفية في بيروت 1982


هذا الخبر بعنوان ""الجدار الرابع".. حين يواجه الفن أهوال الحرب في بيروت 1982" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقدم الممثل لوران لافيت أداءً استثنائيًا في فيلم "الجدار الرابع"، حيث يجسد ببراعة شخصية ممثل يجد نفسه مجبرًا على الانخراط في صراعات لبنان المسلحة رغماً عنه. إنه عمل سينمائي آسر بقدر ما هو معقد في طرحه.
تدور أحداث الفيلم في لبنان عام 1982. وفاءً بوعد قطعه لصديق قديم، يسافر جورج إلى بيروت حاملاً مشروعًا طموحًا ومحفوفًا بالمخاطر: إخراج مسرحية "أنتيغون". يهدف جورج من خلال هذا العمل الفني إلى خلق لحظة سلام وسط صراع دموي مستعر، بمشاركة ممثلين ينتمون إلى مختلف الانتماءات السياسية والدينية. يجد جورج نفسه غارقًا في مدينة وصراع لا يفهمهما، فيسترشد بتوجيهات مروان. لكن تجدد القتال سرعان ما يعيد كل شيء إلى نقطة الصفر، ويجد جورج، الذي يقع في غرام إيمان، نفسه مضطرًا لمواجهة واقع الحرب القاسي.
يُظهر الفيلم جورج بنظرة قاسية، أنهكتها سنة من الحرب في قلب لبنان، حتى اللحظة التي يدرك فيها أن سائقه قد تعرض للقصف من قبل سوريين. جورج، الممثل الباريسي الذي اعتاد على دفء عالم الفن وحمايته، لم يكن ليتجه إلى المسرح اللبناني لولا أن المخرج الأصلي للمسرحية، الذي جمع ممثلين من جميع الطوائف الدينية المتنازعة، كان يحتضر وغير قادر على إتمام مهمته الفنية والسياسية. وهكذا، يجد جورج نفسه في قلب بيروت، حيث يخوض المسلمون والمسيحيون حربًا لا تنتهي، متجاهلين قيم السلام التي تدعو إليها دياناتهم. يكمن التحدي الأكبر الذي يواجهه، بالإضافة إلى التحضير لمسرحية أنويه "أندروماتشي"، في التوفيق بين هاتين القوتين المتعارضتين ضمن هذه المسرحية الرمزية للغاية، والتي تجري أحداثها على خلفية حرب الشرق الأوسط.
يُعد فيلم "الجدار الرابع" اقتباسًا من رواية سورج شالاندون، التي حازت على جائزة غونكور لليسين عام 2013. يتميز الفيلم بسرد آسر وجذاب، يمزج ببراعة بين التعقيد الثقافي في لبنان وقصة مؤثرة عن الصداقة والحب والمشاركة السياسية عبر الفن. إن تجسيد شخصيات في بلد تحاصر فيه الأديان، بأشكالها المختلفة، في براثن التطرف، ليس بالمهمة السهلة. يتوجب على البطل طمأنة الممثلين والشخصيات الدينية والقادة العسكريين بأن المسرحية، أو طريقة عرضها، لن تؤجج الكراهية المحلية. وهكذا، تسرد القصة نضال الممثل المستمر لتوحيد فريق العمل في هذا المشروع المشترك، حيث ينتمي جميعهم إلى مجتمعات دينية مزقتها صراعات مريرة ودموية.
في جوهره، يُصنف فيلم "الجدار الرابع" كفيلم حربي يتجذر في الصراع الدائر بين المسلمين واليهود والمسيحيين. من الضروري توفر خلفية تاريخية معينة لفهم الديناميكيات الاجتماعية المعقدة التي تسود لبنان بين مختلف الطوائف، حيث تتجذر كل جماعة في فضاء فكري وأخلاقي يرفض أي مساومة مع الآخرين. يتحول مشروع جورج المسرحي، ولو بشكل مؤقت، إلى مثال فريد، وإن كان غربيًا في جوهره، على التقاء الأضداد وتوحيدها.
يُجسد لوران لافيت شخصيته بأصالة تثير القلق والدهشة في آن واحد. يتنقل الممثل عبر مناظر طبيعية مزقتها الحرب وغطتها الأتربة، مختبرًا تدريجيًا واقع حرب كان من الممكن أن تبقى بمعزل عن حياته. على مدار ساعتين تقريبًا، نشهد التحول الأيديولوجي والجسدي لهذا الرجل الذي يجد نفسه مجبرًا، خارج نطاق مشروعه الفني، على اختيار جانب. يعيد الفيلم اكتشاف الأداء التمثيلي القوي لعضو الكوميدي فرانسيز السابق، الذي يضفي على دوره كثافة درامية استثنائية. من خلاله، نتعرف على خبايا حرب طائفية لا تظهر أي بوادر انحسار، حيث تتعمق الخلافات بين الشعوب مع كل قنبلة تشوه معالم لبنان.
كُتب فيلم "الجدار الرابع" بأسلوب فيلم إثارة سياسية، متتبعًا التحول النفسي لفنان يُدفع رغماً عنه إلى ساحة المعركة. تتكشف الأحداث بأثر رجعي، مما يتيح للمشاهد فهم المشهد الافتتاحي المثير. يقدم السرد القوي، إلى جانب موهبة الممثلين، منظورًا آسرًا للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي لا يزال مستمرًا حتى يومنا هذا بعبثية مقلقة. يتميز الفيلم بإخراج متقن وبارع لديفيد أوهيلوفن، مع إعادة تمثيل مذهلة لمشاهد الحرب في بيروت. إنه أيضًا فرصة لإعادة اكتشاف كامل القدرات التمثيلية للممثل العظيم لوران لافيت.
أحمد صلال - زمان الوصل
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة