الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا: تصدع داخلي وقبضة أمنية لمواجهة الاحتجاجات وتآكل الولاءات


هذا الخبر بعنوان "“الإدارة الذاتية” تواجه ارتدادات الميدان بالقبضة الأمنية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بينما تتجه الأنظار نحو التطورات العسكرية في حلب وريفها، تشهد مناطق نفوذ "الإدارة الذاتية" شمال شرقي سوريا تحولات داخلية حادة، بدأت تظهر للعلن من خلال استقالات جماعية واحتجاجات طلابية، قوبلت بإجراءات أمنية مشددة. وتكشف المعلومات التي حصلت عليها "عنب بلدي"، من مصادر متقاطعة وعبر مراسليها في عدة مناطق، عن استراتيجية جديدة تتبعها السلطات لضبط "الولاء" داخل مؤسساتها، مستخدمة أساليب تتراوح بين الترهيب الوظيفي وسلاح "اللقمة المعيشية".
تصدع في الماكينة الإعلامية.. استقالات الرقة "ليست وظيفية"
في تطور هو الأول من نوعه بهذا الحجم، علمت "عنب بلدي" من مصادر إعلامية متقاطعة داخل مدينة الرقة، عن تقديم مجموعة من الإعلاميين العاملين في "مركز الرقة الإعلامي" استقالاتهم بشكل مفاجئ. وجاءت هذه الاستقالات احتجاجًا على ما وصفوه بـ "التحول الأمني" في إدارة الملف الإعلامي. وأفاد مصدر إعلامي (طلب عدم الكشف عن اسمه لضرورات أمنية) بأن الشرارة بدأت عندما تحولت مجموعات التنسيق الرسمية إلى "غرف تحقيق"، حيث طُلب من الكوادر الإعلامية تبني سردية عسكرية مطلقة وتخوين أي صوت يدعو للحياد.
وأوضح المصدر أن عددًا من الإعلاميين تعرضوا لـ "تنبيهات أمنية" بسبب منشورات على حساباتهم الشخصية، عبّروا فيها عن تساؤلات حيال الجدوى من استمرار المعارك في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب. هذا الضغط، الذي انتقل من العتاب المهني إلى التهديد بالاعتقال، ولّد شعورًا لدى الكوادر المحلية بأنهم تحولوا إلى "أدوات تعبئة" تفتقر لأدنى هوامش التحرك الصحفي، مما أحدث شرخًا عميقًا بين الطواقم المحلية والقيادات الإعلامية المركزية التابعة للإدارة، وهو ما ينذر بشلل في التغطية الإعلامية الميدانية في أهم معاقل الإدارة الذاتية.
جامعة "روج آفا".. اعتقالات انتقائية تفجر التوتر القومي
لم تقتصر الأزمة على الجانب الإعلامي، بل وصلت شرارتها إلى الحرم الجامعي في مدينة القامشلي. ففي واقعة وثقتها "عنب بلدي" عبر شهادات طلابية، تحولت جامعة "روج آفا" (التي تُقدم كنموذج أكاديمي للتعددية) إلى ساحة للصدام القومي بين الطلاب العرب والكرد. وبدأت الحادثة بمشادات كلامية على خلفية التطورات الميدانية في حلب، وسرعان ما تطورت إلى تدخل مباشر من قوات "أسايش" (قوى الأمن الداخلي). وبحسب شهادات الطلاب، فإن التدخل الأمني اتسم بـ "الانتقائية"؛ حيث تركزت عمليات المداهمة والاعتقال داخل السكن الجامعي والقاعات على الطلاب المنحدرين من المكون العربي، بتهمة "التعاطف مع الحكومة".
"الولاء الرقمي" أو التخوين.. الرقابة تطارد الموظفين
داخل أروقة المؤسسات المدنية، رصدت "عنب بلدي" نمطًا جديدًا من "الإرهاب الوظيفي" يُمارس عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي. إذ تحولت مجموعات "واتساب" الخاصة بالعمل إلى منصات للمزايدات الوطنية، حيث يتم رصد تفاعلات الموظفين بدقة. وكشفت مصادر من داخل مؤسسات الإدارة أن إعلاميين وشخصيات مقربة من دوائر صنع القرار بدأت بنشر قوائم بأسماء ناشطين وصحفيين محليين، واصفة إياهم بـ "الطابور الخامس". وتعتمد هذه القوائم على رصد "إعجابات" أو تعليقات لا تتماشى تمامًا مع الخطاب الرسمي، مما خلق حالة من الرعب والرقابة الذاتية لدى آلاف الموظفين، الذين باتوا يخشون الفصل أو الملاحقة الأمنية في حال التزام الصمت أو إبداء الرأي.
الكومينات.. استخدام "الخبز والغاز" كأدوات تحشيد
في تطور يمس الحياة اليومية للمدنيين، حصلت "عنب بلدي" على تسريبات لرسائل وجهها رؤساء "كومينات" (مجالس أحياء) في القامشلي والحسكة، تُلزم الأهالي بالمشاركة في مسيرات داعمة للقوات العسكرية ومنددة بالتحركات الأخيرة في حلب. وفي "كومين لوند" بالقامشلي وحي "تل حجر" بالحسكة، تجاوزت الدعوات طابعها الاختياري لتصبح "أوامر إجبارية" تحت طائلة العقوبات الخدمية. وتضمنت التهديدات التي اطلعت عليها "عنب بلدي" ما يلي: الحرمان من الخبز: التلويح بإيقاف توزيع مخصصات الخبز من الأفران الآلية عن العائلات المتخلفة عن الحضور. قطع المستحقات: إيقاف توزيع أسطوانات الغاز المنزلي ومازوت التدفئة، وهي مواد حيوية تخضع لسيطرة الكومينات بشكل كامل. الفصل من الوظيفة: توجيه إنذارات نهائية لموظفي الإدارة الذاتية القاطنين في تلك الأحياء بضرورة التواجد في مقدمة المسيرات لإثبات الولاء.
القلق الأمني وتآكل السلم الأهلي
يعكس لجوء "الإدارة الذاتية" لهذه الأساليب الخشنة حالة من "القلق الأمني" المتزايد من احتمالية تغير موازين القوى في دير الزور والرقة، نتيجة الضغوط العسكرية في حلب. إلا أن ناشطين في المنطقة يحذرون من أن سياسة "التعبئة القسرية" قد تؤدي لنتائج عكسية تمامًا، فاستخدام الحاجات الأساسية (الخبز، الغاز، الوظيفة) كأدوات للضغط السياسي يولد شعورًا بالانفصام بين السلطة والمجتمع، ويفاقم من حالة "المظلومية" لدى المكونات التي تشعر بالتهميش. وفي منطقة تتسم بتداخل عشائري وقومي معقد، فإن أي شرخ في "الثقة المجتمعية" قد يتحول إلى فتيل صدام أهلي يصعب احتواؤه مستقبلًا. تواجه "الإدارة الذاتية" اليوم تحديًا مزدوجًا، فمن جهة تسعى لضبط الجبهة الداخلية عسكريًا، ومن جهة أخرى تخسر "الحاضنة الشعبية" نتيجة القبضة الأمنية المفرطة، مما يجعل استقرار المنطقة مرهونًا بمدى قدرتها على التراجع عن سياسات "التخوين" والعودة إلى مسار الحوار المجتمعي الحقيقي.
منوعات
سوريا محلي
سياسة
سياسة